There is no row at position 0. مركز الرأي للدراسات
استقطاب الطلبة العرب والأجانب والدخل القومي ومديونية الجامعات

 

ا.د. عاهد الوهادنة

مقدمة:
اسئلة كثيرة تطرح حول الدور الذي يمكن أن يلعبه قطاع التعليم العالي ممثلاً بالجامعات الحكومية والخاصة في دعم الدخل القومي الأردني ولماذا وإلى متى تبقى الجامعات الحكومية مديونة في وجود جامعات خاصة رابحة. لقد كانت الديون مبررة قبل برامج الموازي والدولي بسب تدني رسوم البرامج العادية والعذر كان مقبولاً عندما كنا نفاخر أننا الأفضل عربياً فماذا نقول الان ونحن نتذيل القائمة العربية عالمياً. واعيد القارىء لمقالتي المنشورة في جريدة الرأي (28-10-2013 ) بعنوان الم يحن الوقت «لورقة بيضاء» في التعليم العالي؟! التي تضمنت الدعوة لضبط النفقات في الجامعات الحكومية.
دول كثيرة حققت دخلاً بمليارات الدولارات من رسوم ومصاريف الطلبة الاجانب الدارسين في بلادها بل سدت الفجوة بين كلفة الدراسة الحقيقية ورسوم طلبتها من رسوم الطلبة المغتربين. هذه المقالة تلقي الضوء على تجارب ناجحة في العالم في استقطاب الطلبة الاجانب لبلادها وتقدم بعض المقترحات (وما اكثرها) والتي قد تساعد في نجاح نفس التجربة في الاردن.
عالمياً, يبلغ عدد الطلبة الدارسين خارج بلادهم الأم حوالي أربعة ملايين وبزيادة وصلت 57% عن العقد الماضي. ويتوقع ان يرتفع العدد لثمانية ملايين عام 2025 وهو رقم غير مسبوق تاريخياً. ولا يخفى على احد الفوائد المترتبة على دراسة الطلبة خارج بلادهم ومن اهمها زيادة دخل الجامعات والعائد الاقتصادي على البلد المستضيف وروابط علمية قوية بين المؤسسات والحصول على علوم متقدمة ومتطورة والتنوع الثقافي. ويتوقع ان يصل عدد الطلبة في العالم الدارسين في الجامعات لحوالي 262 مليونا عام 2025 بعد ان كانت 178 مليونا عام 2010.
ولكن بدأ واضحاً ان اتجاه انتقال الطلبة بدأ يتغير من البلاد المستقطبة لهم تقليدياً مثل امريكا وبريطانيا, والاتجاه نحو دول مثل الصين وماليزيا وسنغافورة وهي دول تحاول جاهدة لتكون دول استقطاب للطلبة الراغبين في الدراسة الجامعية من مختلف دول العالم. وعلى سبيل المثال تخطط الصين التي لديها حوالي 260 الف طالب غير صيني لاستقطاب 500 الف طالب عام 2020. وبعض الدول التي تحاول رفع مهارات مواطنيها صممت برامج ايفاد عالمية ومنها السعودية والبرازيل التي اطلقت برنامج «علوم بدون حدود» واوفدت 101 الف طالب لمختلف الجامعات العالمية مع شرط الالتزام بالعودة والعمل في البرازيل. ولم تكن الاردن من الدول المنافسة على الطلبة البرازيليين.
ومع ظهور تصنيف الجامعات ومع تعدد الخيارات امام الطلبة ورغبة الحكومات في ايفاد طلبتها لافضل الجامعات اصبحنا امام أمرين لا يمكن اغفالهما وهما انتقال الطلبة للدراسة خارج بلادهم الأم والتصنيف العالمي للجامعات, مع وجود عامل مشترك بينهم وهو رغبة الجامعات لتصبح ضمن افضل خمسمئة جامعة عالمية. وهذا واضح في الصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة والسعودية والامارات العربية وكذلك فرنسا والمانيا وهما دولتان تراجعتا في العقود الاخيرة وتعملان لتركيز دعمهما المالي على جامعات بحثية معينة للوصول للعالمية في سبيل النجاح في استقطاب الطلبة من مختلف دول العالم. تعتمد الجامعات العالمية المميزة مبدأ الجدارة في اختيار الطلبة والمدرسين بل ان كثيرا من الحكومات تربط بين الدعم المالي وتميز الجامعات. ولهذا فانه في البلاد التي تعتمد الواسطة والمحسوبية المقوننة وغير المقوننة يبحث الطلبة والمدرسون عن بلاد تعتمد التميز في الاختيار. ومع انني أُقر انه لا يوجد نظام تنافسي متكامل دون خروقات في اي دولة الا اننا بدأنا نقترب - بعد كشف الاسباب والمسببين والحديث بصراحة كفلها القانون- من اختيار الطلبة وتعيين وترقية المدرسين على مبدأ ما تعرف وليس من تعرف. وفي عالم انتقال المعرفة والموهبة دون حدود فان الجامعات التي تتبني مبدأ الجدارة للقبول والتعيين ستكون الجامعات الاكثر نجاحاً وهذا صحيح في قطاعات اخرى كذلك.
التصنيف العالمي للجامعات يوفر مقياساً لانجازات الجامعات في مختلف مجالاتها. وعلى الرغم من الثغرات التي تتضمنها انظمة التصنيف الا اننا اصبحنا في عصر المسآءلة والبحث عن معايير لذلك ومعايير التصنيف وجدت لتبقى. وهناك بعض المبادرات الهامة الجارية لقياس فعالية الجامعات مثل مبادرة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) لقياس مقدار تحصيل الطلبة وكيف يتعلمون في الجامعة. وأعتقد أن المهمة الحقيقية للجامعات لن تكون الهرب من التصنيف العالمي أو انتقاده الى ما لا نهاية ولكن في محاولة لمعرفة كيفية جعل معايير التصنيف أفضل في الطريق لخلق جامعات متميزة.
ولن تكون مشاركة الجميع في العولمة على قدم المساواة،  ولكن أعتقد أن الجامعات والشركات وغيرها من المنظمات التي تبحث عن المواهب يجب أن تفهم أن خلق حرية اكثر ستمكن من تبادل الأشخاص والأفكار في جميع أنحاء العالم هو مفيد جدا للأفراد والمؤسسات واقتصاديات الدول. وكلما توسعت الجامعات زادت عدم المساواة وقلت جودة قطاع التعليم العالي واصبح الفرق بين أعلى وأسفل مؤسسات التعليم العالي في أي بلد كبيرة. والمؤسسات في الجزء السفلي من التسلسل الهرمي يكون عددها أكبر، وسوف تحصل المؤسسات في الجزء السفلي على نسبة اكبر من عدد الطلبة المسجلين.


التعليم العالي والدخل القومي:
يصل دخل امريكا من 800 الف طالب اجنبي حوالي 27 مليار دولار سنوياً, معظمهم من السعودية والكويت والبرازيل. ويوجد حوالي 290 الف طالب امريكي يدرسون خارج امريكا والحصة الأكبر للدراسة في بريطانيا ويليها جنوب افريقيا والدنمارك وكوريا الجنوبية وبيرو وتايلند. وفي ايرلندا على سبيل المثال ورغم المنافسة الشديدة من الدول الناطقة باللغة الانجليزية وعلى راسها بريطانيا فقد ارتفع الدخل المتأتي من تدريس الطلبة غير الايرلنديين لمليار يورو سنوياً ولعل الملفت للانتباه ان 360 مليونا جاءت من تدريس اللغة الانجليزية وهي عملية تدريسية غير مكلفة و120 مليون يورو من زيارة اهالي الطلبة لابنائهم والنسبة الاكبر من الطلبة جاءت من ماليزيا. وفي بريطانيا بلغ الدخل المتأتي من الطلبة غير البريطانيين حوالي 8 مليارات سنوياً, منها 3,4 مليار باوند دخلاً من السكن والاكل والمواصلات وليس الرسوم.
ماليزيا تستقطب حوالي 54 الف طالب اجنبي ولها خارج ماليزيا 58 الف طالب. 200 الف طالب هندي يدرسون خارج الهند منهم 37 الف طالب في بريطانيا. مع العلم ان الجامعات الهندية وعددها 700 جامعة تستوعب 20 مليون طالب منهم حوالي 3 ملايين طالب دراسات عليا.
وصرحت اليونسكو ان عدد الطلبة المستقطبين للدراسة في اكثر خمس دول تناقص منذ عام 2000 بسبب منافسة من دول اخرى مثل الصين وماليزيا ومصر والسعودية والامارات. حتى ان الامارات وحسب احصائيات 2012 تفوقت على بريطانيا في استقطاب الطلبة العرب. تستضيف الامارات حوالي 60 الف طالب منهم حوالي 4 الاف طالب اردني في حين تستضيف السعودية حوالي 62 الفا منهم حوالي 3500 طالب اردني.
وحسب تقرير اليونسكو فإن عدد الطلبة العرب والأجانب الدارسين في الاردن بلغ حوالي 28 الف طالب وهذا الرقم يزيد وينقص سنوياً وقد بلغ في ذروته حوالي 30 الف طالب. وحسب تقرير احدى مؤسسات التصنيف العالمية فان عدد الطلبة العرب والاجانب بدأ يتناقص منذ العام الماضي خاصة بعد توقف السعودية وماليزيا عن ارسال طلبتها للكليات الطبية في الاردن وهذا يضعنا امام خيارات عدة لعل اهمها (بعد معالجة الاسباب) :
البحث عن أسواق بديلة والعمل على استقطاب الطلبة لدراسة تخصصات غير مكلفة كاللغة العربية والفقه باللغة الانجليزية (على سبيل المثال وليس الحصر) إذ ان سياسة الجامعات الأردنية كانت ومازالت تصر على فتح كليات طب - وحتى دون مستشفيات تعليمية-لاستقطاب الطلبة وبعد قرار السعودية وماليزيا ستصبح هذه الكليات المكلفة عبئاً على الجامعات او ستكون سبباً رئيساً في إجترار أموال الأردنيين لدراسة الطب وقبول ادنى المعدلات مما يؤثر على مخرجات هذه الكليات وبالتالي السقوط في فخ السمعة واحجام أكبر للطلبة عن الدراسة في الاردن.
أمام الأردن فرصة ذهبية لاستقطاب 50 الف طالب عربي واجنبي عام 2020 بدخل متوقع لا يقل عن مليار دينار اردني سنوياً ومئة الف طالب عام 2025 بدخل لا يقل عن 2 مليار دينار اردني سنوياً. مما يجعل التعليم العالي قطاعا قادرا على منافسة القطاعات الاخرى في رفد الدخل القومي الاردني والذي يرتكز على قطاع الانتاج بنسبة 17% والسياحة بنسبة 14% وتكنولوجيا المعلومات بنسبة 14% والبناء بنسبة 4% والزراعة بنسبة 2% بالاضافة لمعالجة ديون الجامعات بل ودفع الفرق بين رسوم الطلبة الأردنيين والكلفة الفعلية للدراسة.
ومن الحلول المطلوبة الإهتمام بالدراسات العليا وتطويرها لتنافس عالمياً, وزيادة معدل الانتاج البحثي لعضو الهيئة التدريسية سنوياً من طلبة الدراسات العليا مع العلم ان الأرقام الأردنية في هذا الصدد مقلقة ومن الأمثلة الصارخة على ذلك جامعات أردنية تتسم بالدراسات العليا لم تنشر اكثر من ستين بحثاً منذ تأسيسها حسب محرك بحث سكوبس!. كذلك لا بد من أن تحصل الجامعات على اعتمادات عالمية تسوق بها نفسها. ولا مفر من ان تبذل الجامعات جهداً حقيقياً لتتبوأ موقعاً ضمن افضل خمسمئة جامعة عالمية الأمر الذي أصبح مرجعاً لكثير من الطلبة الراغبين في الدراسات العليا تحديداً. ان تطبيق معايير التصنيف العالمي للجامعات سيحسن  -وعلى سبيل المثال- نسبة طالب لمدرس والتي تلعب دوراً رئيساً في جودة التدريس. ان استقطاب الكفاءات العلمية امر اصبح في غاية الصعوبة مع غياب العدالة والمنافسة وتدني الدخول.
ولا تعتبر الأردن من الدول التي تكون فيها الرسوم وتكاليف المعيشة مرتفعة بالمقارنة مع دول أخرى مما يشجع على استقطاب الطلبة العرب والاجانب للاردن وهي بيئة آمنة مع العلم أن استراليا هي اغلى دولة بالنسبة للطلبة الاجانب من حيث الرسوم والمعيشة بكلفه حوالي 50 الف دولار امريكي سنوياً.


*
ممثل منظمة QS العالمية لتصنيف الجامعات