There is no row at position 0. مركز الرأي للدراسات
إضاءات في تطوير إدارة مرفق القضاء

 

مركز الرأي للدراسات

المحامي موسى الأعرج

آب 2015

منذ شغله المنصب بذل وزير العدل على أرض الواقع جهداً واضحاً، محاولاً تطوير التشريعات ذات العلاقة بتحقيق العدالة والعمل على تطوير إدارة مرفق القضاء، وفي حواره مع جريدة الرأي المنشور في عددها الصادر يوم الأحد 26/ 7/ 2015، أوضح الوزير معظم ما تم تحقيقه، ومعظم ما يؤمل تحقيقه من خطوات، على طريق تطوير القوانين وتسهيل وتيسير وتسريع عملية التقاضي، ومن يمعن النظر والتدقيق في حوار الوزير مع « الرأي»، يجد تشخيصاً موفقاً للمشكلات، وحلولاً وتصورات حلول لهذه المشكلات، بعضها يستأهل الإشادة، وبعضها يحتاج إلى الوقوف أمامه، لبيان مدى إمكانية تطبيقه، وبعضها الآخر قد يوائم أو لا يوائم مجتمعنا، باعتبار أن أي تطوير لأي جانب من جوانب حياة المجتمع وإدارته، لا بد أن يكون منسجماً مع الواقع الذي يعيشه المجتمع ومع قيم المجتمع، بل ويجب أن يكون التطور متدرجاً وليس له صفة الطفرة، ولعل في الملاحظات التالية على ما جاء على لسان وزير العدل في الحوار المشار إليه، بعض الإضاءات، التي قد تساعد على تحقيق ما تهدف إليه عملية تطوير بعض التشريعات والحلول المقترحة لتسريع عملية التقاضي دون إلحاق الأذى بضمانات تحقيق العدالة.


أولاً: إن اقتراح تعديل ما يقارب 40% من مواد قانون العقوبات يحتاج إلى طرح هذا الاقتراح بالتعديل على جهات عدة ذات علاقة، لعل من بينها أساتذة القانون الجزائي في الجامعات، وقضاة المحاكم المتخصصين في المواد الجزائية وعدد من الجهات المعنية بتنفيذ القانون، فهل تم ذلك؟ فالاقتراح يتناول تجريم أفعال جديدة، لا يعرفها قانون العقوبات الساري المفعول منذ أكثر من نصف قرن ويتبنّى مفهوماً جديداً لا يعرفه المجتمع الأردني، هو مفهوم العقوبات المجتمعية أو البديلة، الذي يستوجب الأخذ به وجود ثقافة مجتمعية خاصة راسخة، لا أظن أن مجتمعنا قد اكتسبها بعد، كما أن استبدال التوقيف في الجرائم البسيطة (خاصة للمرأة) بالأسورة الالكترونية مقترح جيد، ومعمول به في بعض دول أوروبا، لكن هل يمكن أن يجد لدينا قبولاً على أرض الواقع، إذ لا يكفي أن يوصى باستعمالها (الأسورة الالكترونية) هيئة قطاع الاتصالات والأمن العام والقضاء ووزارة العدل، ولا يكفي أن تلقى الفكرة قبولاً لدى مؤسسات المجتمع المدني، قد يكون لازماً قبل ذلك أن يطرح الموضوع لنقاش عام عبر أجهزة الإعلام العامة والخاصة ووسائل الاتصال الاجتماعية.


ثانياً: لا خلاف مطلقاً على أن قانون التحكيم الساري المفعول يحتاج إلى تعديلات تتماشى مع التطور الذي لحق بالتجارة على المستوى العالمي بفضل ثورة المعلومات والاتصالات، ولكن أي مشروع لتعديله يجب أن يكون من خلال ما كشفت عنه التطبيقات القضائية من ثغرات، كما يجب أن لا يكون الهدف الأساس من التعديل اللجوء إلى التحكيم كقضاء خاص بدلاً من اللجوء للقضاء العام، بل يجب أن يهدف التعديل إلى تسريع الفصل، فاللجوء إلى التحكيم يكون غالباً في مجال المشروعات الكبيرة التي يغلب عليها طابع المرافق العامة أو الطابع التجاري، ومدة التقاضي في هذا المجال ذات كلفة عالية سواء على الجهة المدعية أو المدعى عليها.


ثالثاً: إذا كان أهم الاقتراحات لتعديل قانون أصول المحاكمات المدنية هو تطبيق لجان التوفيق والمصالحة للحد من أعداد القضايا التي تعرض على المحاكم، فإن هذا التعديل بالتأكيد سوف يلقى - إذا تم إقراره - ما لقيه التعديل الخاص باستحداث إدارة الدعوى المدنية والوساطة القضائية، ووزير العدل يقرر أنه «لم تجرِ الاستفادة منهما بالشكل المطلوب»، فلعله يجب أن لا يغيب عن أذهاننا أن معظم المواطنين الذين يلجأون إلى المحاكم في القضايا الحقوقية يكونون قد استنفدوا كافة الوسائل الودية، بل تدل بعض الشواهد العملية، أن بعض المواطنين يبدون استعدادهم ودياً للتنازل عن الجزء الأكبر من مطالباتهم تجنباً لإطالة أمد التقاضي، ولا يلجأون للقضاء إلا كملاذ أخير بعد أن يتم استنفاذ كل وسيلة، ويشير التطبيق العملي لتشريع إدارة الدعوى أنه قد أطال أمد التقاضي، في حين كان الهدف من وضعه هو تقصير هذا الأمد.


رابعاً: إن إنشاء مبنى جديد للمعهد القضائي يليق بالمعهد والهدف من إنشائه، (رفد القضاء بالكوادر المؤهلة الخبيرة) أمر ضروري وملح، ونوافق وزير العدل على هذا التوجه، لكن قبل ذلك فإن قانون المعهد القضائي يحتاج إلى إعادة نظر في مضامينه، ليخرج من حيِّز التكرار الأكاديمي الغالب عليها، إلى حيِّز التطبيق العملي، كما أن قواعد القبول في المعهد تحتاج إلى إعادة نظر ودقة وشفافية في التطبيق، وإذا كان تأهيل مجموعة من قضاة المستقبل من خلال المعهد أمر مستحسن، فإن زيادة أعداد الملتحقين بالمعهد من موظفي المحاكم ليس له ما يبرره، لأن الخبرة التي يكتسبها الموظف الحقوقي في المحاكم لا تؤهله للالتحاق بالمعهد ليصبح قاضياً، ولعله لا بد من تقييم شامل لتجربة التحاق موظفي المحاكم الحقوقيين بسلك القضاء، وفي ضوء هذا التقييم يصار إلى الاستمرار في التجربة أو العدول عنها.


خامساً: إن الخطوة التي تقوم بها وزارة العدل مع دائرة الأحوال المدنية لأغراض التبليغات، خطة تستحق الإشادة والتقدير، وكذلك الربط الإلكتروني بين دوائر كاتب العدل ودائرة الأراضي، كما أن نظام كاتب العدل المرخص خطوة مميزة، وإن كانت قد جاءت متأخرة، فقد سبقنا إليها دول عربية منذ عقود، إلا أن تحديد ذوي الكفاءة من القانونيين والمحامين والقضاة المتقاعدين الذين سيعهد إليهم التوثيق هو العصب الحقيقي لهذه الفكرة، كما أن اقتصار التوثيق في مجالات محددة فكرة سليمة للحكم على نجاح التجربة.


سادساً: لعله من المبكر جداً الحديث عن استخدام البصمة الالكترونية في تسهيل عملية المحاكمة عن بعد، والتأكد من شخصية الأطراف عند تنظيم الوكالات، ونود أن نذكر أن التشريعات إذا لم تكن متفقة ومتجاوبة مع واقع المجتمع ومنبثقة من هذا الواقع، فإنها في معظم الأحيان يكون مصيرها عدم التطبيق، ونذكر على سبيل المثال قانون المعاملات الالكترونية الذي وضع عام 2001 الذي حل محله قانون المعاملات الالكترونية رقم 15/2015.


سابعاً: يذكر كثيرون أن فكرة استحداث غرف قضائية متخصصة بأنواع محددة من القضايا الحقوقية، فكرة تعود إلى أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، إلا أنه يحول دون تطبيق هذه الفكرة عدة عوامل، لعل أهمها نقص الكوادر القضائية المتخصصة من جهة، وسيادة فكرة القاضي العام الذي ينظر كافة أنواع القضايا الحقوقية منذ تأسيس القضاء، كما أن فكرة القضاء الحقوقي المتخصص يلزم أن تكون مكرَّسة في برامج المعهد القضائي.


ثامناً: ولعل حل المعضلة الأساس في بطء التقاضي أو إطالة أمد التقاضي لا يكون بتعديل قانون أو أكثر، فمعالجة هذه المعضلة يجب أن تتناول جميع أطراف العملية القضائية، التي يشكل القانون أحدها، فمن المعروف أن معظم القضايا الحقوقية لا يتم نظرها إلاّ بوجود محامٍ، وأظن أن مؤسسة المحاماة بحاجة إلى تطوير وتحديث، إن لم يكن لإصلاح، كما أن المواطن وهو الأساس في عملية التقاضي الحقوقية يحتاج إلى تثقيف قانوني وقضائي، وهذا لا يتأتى إلاّ بنشر الثقافة القانونية والقضائية عن طريق تضافر جهود جهات عديدة لنشرها، لعل أهمها جهود تبذلها وسائل الإعلام العامة والخاصة.


تاسعاً: بقي أن نسجل أن ما من وزير للعدل إلا حاول جاهداً تطوير وتحسين إدارة مرفق القضاء، لأن إدارة مرفق القضاء تساهم أيَّما مساهمة في تحقيق العدالة، فالقاضي لا يمكن أن يقوم بتحقيق العدالة إلا من خلال الوسائل الإدارية التي تسهل له هذه المهمة، كما أن جهود وزارة العدل التي تدل على جديّة وإخلاص في تطوير وتحسين إدارة مرفق القضاء، جهود تستحق التقدير، ولكن علينا أن نضع في الاعتبار دوماً أن القانون هو مرآة تعكس ما في المجتمع، وأن القانون الذي لا يعكس ما في المجتمع لا يكون له نصيب من التطبيق الناجح.