There is no row at position 0. مركز الرأي للدراسات
تجذير ثقافة الاستقرار

د. بسام الساكت

آب 2015

 

التقيت في منزلي مؤخراً بمجموعة من الشباب من الاقارب والجيرة وأصدقائهم مترجمين بزيارتهم تلك رغبة التواصل والمعرفة، ورد الجميل، والبحث عن بعض إجابات عمّا يدور بخلدهم ويشغل بالهم. وكانت زيارتهم فرصة أخرى لي للتعرف مباشرهة من عينة مجتمعية شابة على ما يشغلها.


وقد طرح بعضهم اسئلة أهمها: ماهي ِالرؤية المستقبلية في القادم من الأيام؟ ورغم صعوبة السؤال لما يتضمنه من تصوُّرٍ للغيب في جو متغير جامح، إلاّ أنني آثرت الإجابة ولو تحت مخاطرة الخطأ في استقراء القادم من الأمور.


ولم أجد في هذه المجموعة من أبنائنا، شباباً شاكين او طلاب معرفة فقط، بل وجدت عندهم آراءً وفكراً ولديهم صورٌ فيها نضج وأخرى صوراً تسترجع حراكات الشارع قبل ثلاث سنين، ليست سارة بل متشائمة عن محيطهم وبيئتهم. وفي مِثْلَ هذه الحالة، فالواجب يقتضي الحذر والفهم الفهم لمثلِ هذا المزاج، وبخاصة حينما تكاد تسمع دقات قلوبهم تخرج من صدورهم جرَّاء حماسهم. ويصبح التروِّي والإصغاء السبيل الأصح للوصول الى قلوبهم ثم عقولهم ثم زرع بعضاً من الأمل في نفوسهم.


لقد أدركت عِظَم المسؤولية في الإجابة تحت ظل بيئة في الإقليم محيطة بِنَا، سياسية وإجتماعية وإقتصادية مليئة بالتحديات والخلْط ومشاعر دفينة ورياحا هوجاء وضغوطٍا من شتى الجهات، اضحى فيها المواطن أسيراً، فلا يستطيع مثلاً السفر «براً بأمان» الى بلدان أشقائه التي كانت المتنفس الاجتماعي والاقتصادي له: لا إلى سوريا ولا إلى لبنان ولا إلى العراق ولا إلى القدس الشريف-البلد والشعب المحتل والأسير. ولا حتى إلى مصر الكنانة، إلا بركوب الطائرة وبكلفة مانعة.


لقد لمست ان لدى هؤلاء الشباب بعضا من الآمال لكن تغلبها أحياناً مشاعر معاكسة ومعاناة. وهذا أمر متوقع عند جيلهم لكنه يصبح مقلقاً إذا تجاوز الحدود الطبيعية. وأكثر ما يقلقهم «ليس» الحديث عن الإصلاح السياسي والبرلماني، بقدر الإنشغال بتحديات فرص التعلُّم-يريدون «بناء مهارات» تضمن لهم العيش بدلا من بعض «شهادات» تضمن لهم الانضمام لصفوف البطالة. إنهم قلقون من البطالة وتدبير المعيشة والدواء وكلفته ومنافسة اللاجئين السوريين والباحثين عن الأمن من أبناء دول الجوار الذين ينافسون المواطن الأردني على فرص العمل والخدمات التعليمية والصحية، والبنية التحتية من سكن ووسائط نقل، الخ. وكذلك مايشغلهم، العيشَ في بيئة «تتفاوتُ» فيها الدخول «والتظاهر» في الصرف والإنفاق، ويلمسون ذلك عند زيارتهم المدن فيرَوْنَ تباينَ حالهم ويروْنَ التفاوتَ في الدخول بين القرى والارياف والبادية والمدن، وفيما بين ساكنيها. وكذلك التفاوت في توزيع «عبء التنمية» والتضحيات بشكل يُجَانِبُ العدالة، خاصة فيما يتعلق بمن لا يدفعون الضريبة ويتهربون منها وحتى من أولئك ممن يدفعون ضريبة متدنية جداً منسوبة الى دخولهم. ويتساءلون عن معنى «المواطنة» في ظلّ هذه الظروف والإختلالات.


كما تحدَّثَ وأضاف بعض من هؤلاء الشباب عن مفارقتين في محيطهم: الخِشيةُ والتردّد والتسويف عند بعض الدوائر والمسؤولين فيها تجنباً من إتخاذ القرارات، والبُطْأُ، والتداخلات، والإساءة من البعض في إستخدام وتقدير السلطة. (هِيَ بعض إفرازات تطبيق غير مدروس لما سميّ إعادة الهيكلة: تفريغ وهرب الكفاءات المميزة، وظاهرة تمرُّدِ الموظف العام على الدوله بالإعتصامات، وترويج وتعميم إنتشار الفساد في القطاع العام دون انضباط).


وكل ذلك قائم رغم جهد وتوجيه الحكومة بالنأي عن ذلك النهج. ويتساءلون إذا كان المسؤول او الكفاءات في ظل نهج الإدارة «قبل» اللامركزية الحالي، هكذا، فهل الحال سيكون أفضل في ظل اللامركزية القادمة وبخاصة في ظرفٍ تشح فيه الأموال في المناطق النائية هناك، وفي عرضٍ من الكفاءات الإدارية أدنى؟! ويُصدَم «المستمع» لهم عندما يحكمون بطريقتهم، على ان من نتاج الانتخابات الماضية: النزاعات العشائرية والعائلية وتفتت وصدامات بين الإخوة وأبناء العمومة، وشباكات تستمر الى ما بعد الانتخابات.


ويتساءلون: هل يعالج الخلل أم يتسع الخرق على الراتق؟ إنها بعض من أسئلةٍ، تحتاج الى توجيه وإجابات متخصصة مقنعة لهم. ولقد تحدث الشباب أيضاً، عن أبواب وآذان تفتح وتغلق في وجوههم وفق الهوى، ولا تتواصل معهم بطريقة منهجية. إنهم محزونون من تكرار تشخيص الآلام ومحدودية العلاج. ولقد لمسوا بالمقابل حرص جلالة الملك ومنذ توليه سلطاته الدستورية، على «الميدانية» في العمل، والكفاءة، والإنجاز، والنزاهة، وتشديده على تحفيز الإستثمار وأهمية المناطق التنمويه، والإستقلالية المالية والإدارية.


وكانت منطقة العقبة الاقتصاديةً أبرز نموذج يذكرونه الشباب كما وسمعوا إنتقادات جلالة الملك للنهج في هذا المجال. إذ مازال الوطن تتردد في أجوائه التوجيهات والنداءات والتأكيد على الخلل هناك، ورغم وعود من إدارات سابقة بتحويل الرمال الى ذهب ! فالمعضلة واضحةً أيضاً لدى هؤلاء الشباب، لخَّصوها بعبارة: خللٌ في «الإدارة المُنَفِّذَة» هناك. والحكومة، «محِقّةً»، حين وجهت، قبل ايام، نداء، بل إنذارٌ لكل من لا ينجز ولا يقوم بواجبات المسؤولية العامة بكفاية وأمانة. ويحتاج الحصاد المنشود الى «متابعة» حثيثة. ويمكن تصور رسماً للموقف في بلدنا على شكل طائرةٍ تتسارع منذ فترة على مدرج المطار، لكن هناك ما يثقلها ويمنعها من الإقلاع !


وقد ردد الشباب على مسمعي كذلك، ظاهرة سلبية وهي وجود قطاع مُترفٍ من الرأسمالية، وصَفُوهُ بأنه ذو قوة وذَا سلطةٍ تُحافظُ أولاً عَلى «محافِظِها»، (مصالحها، وهذا أمر طبيعيٌ) لقد إعتدنا عَلى فئة في هذا القطاع، تشكو وتُطالِب، رابحةً او خاسرةً، ولها سلطةٌ وحاكِميَّةٌ لكِنْ ينقُصْها «الرُشْدْ في التعامل مع أولويات الوطن» تلك التي تقع خارج إطار حساباتها الخاصة.


ويعتقد هؤلاء الشباب انها رأسماليةٌ في حاجة الى «إصلاح «، قبل غيرها لتحمل همهم وهم الوطن، ولتُصْبِحَ ذات مسؤوليةً إجتماعيةً منظَّمة لا موسمية، مجاهدةً من خلال استثماراتها، مشغلةً لأبناء الوطن ولها قلب على الأقل حظاً فيه. كما ويعتقدون بحماسةٍ، أن مساهمة «الرأسمالية الوطنية» في التنمية ليست «حسنة جاريةً» منها، بل هي ايضاً «مسؤولية» عليها وتصب في صالح أمن هذه الطبقة قبل غيرها، فهي الخاسرة الأولى، إن اختل الميزان.


ولقد أصغيت هنا للمُعضِلة الاقتصادية التراكميَّةً الحسَّاسة هذه، وآثرتُ التدخُّلَ حتى أُصحِح او أُعيدَ بعض التوازن في الحكم لديهم بأنها مسألة سهلة وعلاجها سريع. فأَثرْتُ إنتباههم الى انها نعم، »هيَ معضلةٌ»، لكن بالإمكان معالجتها بالتوعية، والأهم من ذلك باالتشريع المالي، وسلمياً (السياسة الضريبية)، دون خشونة او تحاسدٍ أو عنف مجتمعي، وتحتاج الى توجُّه مؤسسيٌ، سياسيٌ وديمقراطيٌ، شفافٌ وحاسم، كما تحتاج الى وقت. وإستبعدت أن يكون شبابنا ممن يخرق السفينة نكايةً بركَّابها وهُم على ظهرها. كما استبعدتُ أن يخلو قطاعُ الاعمال في بلدنا من قلب نابض. إن بلدنا غال علينا، وأنشد بل أدعو الشباب الواعي ألاّ ينفِّرَهم أحد من الوطن، فيُضْعِفَ، أو يسلخ انتماءهم، فيرحلواعنه، ولْيُدْرِكوا حقيقةً أبدية، أن الوطن لن يتركهم.


إنه واضح لدينا،نحن معاصري الأحداث، أن «التغيير» هو إستحقاقٌ وشاخصة الوطن منذ عقود؛ وأن أمن البلاد هو في صحةِ العِباد؛ وأن التنمية دون قلب على القطاع الأضعف من المواطنين، ليست تنمية حقيقية مُستدامَة. ولقد أحسن بلدنا إستيعاب الأزمات بالتدرج وبدأ خطوات نحو إصلاح سياسي، وإنه لكي تتجذر عندنا «ثقافة الاستقرار» السياسي والإجتماعي، من جهة، ولكي نعالج ثقافة «فن إضاعة الفرص» الفن المُزْمِن في الإدارة العامة، لابد من أن ينتقل مجتمعنا الى مجتمع جديد، طالما وجَّه إليه جلالة الملك: مجتمعٌ تُرفَع فيه أعلى وأعم، راية الإنجاز، والمسؤولية المجتمعية، وراية سيادة القانون.


وقد أَعْطَى من تحدث من الشباب، إهتماما خاصاً بالمادة 22 من الفصل الثاني من الدستور، والتي تنص على نهج في الحاكمية الإدارية، وبالذات بناء «القدوة القيادية الحسنة»، وبالتالي «البِطانة الحسنة» في مواقع المسؤولية العامة، لتكون الآن وفي المستقبل جسراً متيناً «واصلاً» للمسؤول مع أهلِ الخِبرة والاستقامة، لا جداراً «عازلاً» له. لقد أكَّدت المادة تلك، من وجهة نظر الشباب، على معيار عادل لإنتقاء للقيادات، حيثُ تُولَّي فيه المناصب العامة على أساس الكفايات والمؤهلات. ولقد وجَدتُ من المناسب أن أُوضِّح لهم الحاجة لبناء مدوّنة «للحقوق والواجبات المدنية «Bill of Rights -Civic Code وهو أمر جوهريٌ ولازم. فعدت الى الذاكرة، فشرحت لهم مخزونات إصلاحيةٌ وأدوات وعلاجات أوسع مما طالبوا به، تضمَّنها الفصل الثاني من الدستور تحت عنوان: حقوق الأردنيين وواجباتهم: المواد 5-23. إنها مواد مضيئة وهي»منظومة حقوق»، لكن لم يفصح فيها، عن «واجبات» المواطنين والمطلوب والمتوقع منهم، بالقدر المستقل، مقابل الحقوق الممنوحة لهم. فقد حَدَدَت المواد تلك، بِنُضجٍ محسوب ومرموق صيانةَ الحُريات الشخصية، والأمومة والطفولة والشيخوخة، وعدم قيد الحرية وحفظ الكرامة وعدم الإبعاد وحرمة المنازل وصيانة الملكية الفردية وعدم مصادرة الاملاك إلا للمنفعة العامة، وحماية حرية القيام بالشعائر والعقائد وحرية الرأي والصحافة والنشر وحق الاجتماع وتأليف الجمعيات والنقابات والأحزاب وعدم الرقابة على البريد والهاتف والمخاطبات، إلا بأمر قضائي، وحرية تأسيس المدارس للجماعات، والتعليم الإلزامي المجاني، وعدم تسليم اللاجئين السياسيين، وحق المواطن في العمل وحمايته وتنظيمه. إنها في الأغلب حقوقاً إنسانية للأردني تكتمل بنظري حين نستنبط منها ونبني «مدونة للسلوك المدني» بشكل مستقل (كُرَّاسةً ومَطْوِيَّات، وإعلام، ورقابه) تدرَّسُ ويدرَّبُ عليها ويلتزم بها المواطن، والمسؤول، معاً.


عندها نزرع ما يمكن ان يُجَذَّرُ في الوطن ويُسْهِمُ في بناء «المناعة والوقاية من الأزمات»، من خلال إحترام المسؤول لواجبه ولمسؤوليته وكذلك المواطنين، ويُعَظَّمُ حِسُّ المُساءَلة، ونُبْعِدُ الشباب ان يكونوا «ثُلَّةً إنتقامية»، سواء من أنفسهم، من خلال المخدرات، او من غيرهم من خلال العنف والتعصب. بل يكونوا «متطوعين» لبناء الوطن متمسكين «بالقواسم المشتركة» الجامعة بين ابنائه، وهي كثيرة، ومبتعدين عن نقاط الإختلاف. ولا ريب في ان القدوة القيادية الحسنة، في كل موقعْ، تُنْتِجُ وتُفرِز رجالا ونساء، كِباراً قادرين على ان يحافظوا على كيان البلاد، وإرثه، وإنسانه شاملاً المرأة والطفل والشباب وواصلاً إلى كبار السن والمتقاعدين: ولمن يَعْقِل ويُدرِك، فإن إرث الماضي وكبارُ الوطن، هم قاعدةٌ تُنير للمستقبل. وصدق الإمام عليٌّ بن أبي طالب، رضوان الله عليه، حين سُئِلَ، ما يُفْسِدُ أمر القوم يا أمير المؤمنين قال: ثلاثة: + وضع الصغيرِ مكان الكبير ++ وضع الجاهل مكان العالم +++ ووضع التابع في القيادة. فإذا ما إستحضرنا حِكمةَ الماضي، عندئذ نتمكن من تجاوز العثرات ونعبُر بأقل الأضرار، نحو المستقبل، في إقليم جانح وجامح، فيه شُذوذٌ سياسيٌّ واجتماعي، تتقلَّبُ فيه القلوب والمواقف وتَزْدَوِجُ الولاءات. ولا أدري كم أصبتُ في حديثي مع هؤلاء الفِتْيَهْ-قادةَ المستقبل، لكنني انْتفعْتُ حقاً من التواصل معهم واجْتَهدْتُ، ولِيَ في ذلك عند الله تعالى، حسنة.