There is no row at position 0. مركز الرأي للدراسات
ندوة التغلغل الإسرائيلي في إفريقيا... وفرص العرب الضائعة

  

لا تنحصر المحاضرة التي نظمها مركز الرأي للدراسات حول «التغلغل الإسرائيلي في افريقيا.. وفرص العرب الضائعة» وتحدث فيها أستاذ العلوم السياسية بجامعتي زايد والقاهرة مدير مركز دراسات المستقبل الأفريقي- مصر- د.حمدي عبدالرحمن، في الدعوة إلى تدشين حوار استراتيجي جديد بين العرب والأفارقة، بل اشترط أن تحذف منه :فكرة الاستعلاء والصور الذهنية المتبادلة المشوهة، مؤكداً ضرورة إعادة صياغتها بشكل جديد على أساس الندية والكفاءة والمشاركة.


وأوضح المحاضر أن اسرائيل، استخدمت «دبلوماسية الاستادات الرياضية»-التي تقوم على عمل المشاريع، ومساعدة الناس في تنفيذ مشروعات البنية التحتية-  في كسب قلوب وعقول الأفارقة بالتعليم والتدريب والمساعدات الفنية.
أمام هذا الواقع، بحسب عبدالرحمن والمتداخلين في المحاضرة، فإن مستقبل مواجهة التغلغل الإسرائيلي لافريقيا يتطلب إعادة تشكيل الوعي العربي وصنع القرار العربي وفقاً لما يحدث في القرن الإفريقي.  وتالياً التفاصيل...

أدار الحوار - د.خالد الشقران
أعدها للنشر - هادي الشوبكي وبثينه جدعون

 


 

 

 

 

 

 

 

 

قال الباحث المصري د.حمدي عبدالرحمن إنه في كانون الثاني من العام الماضي دعي من قبل مجموعة من شباب جامعة هرجيسا في أرض الصومال لإلقاء محاضرة، كونه كان أول من كتب عن قضية أرض الصومال عام 2009. وأكد على أن أزمة الصومال أضحت وكأنها عبء لا يقوى العرب على تحمله فتركوها تهوى في ادراكهم لتغمرها مياه المحيط العميقة. ومع ذلك فإن الخبرة الصومالية تكشف عن وجه آخر يعبر عن النجاح في بناء مؤسسات الدولة كما حدث في تجربة صوماليلاند (إقليم شمال الصومال الذي كان خاضعاً للاستعمار البريطاني) والتي أعلنت استقلالها من جانب واحد منذ نحو أربعة وعشرين عاماً..ورغم قصر مدة الزيارة فإنها تركت أثرا كبيراً في النفس وطرحت بإلحاح أسئلة التراجع العربي واختراق مناطق الأطراف في النظام الإقليمي العربي.
وأشار إلى الصورة الثانية التي رآها في جنوب إفريقيا لإمرأة يهودية أسست معهداً أسمته معهد «المحرقة والإبادة الجماعية» لتبادل الزيارات مع طلاب رواندا وتعليمهم الخبرات عن»المظلومية التاريخية الإسرائيلية» لليهود والمشابهة بين خبرة اليهود وخبرة الأفارقة الذين عانوا من ظلم تجارة العبيد واضطهاد المستعمر الأوروبي.
وأضاف عبد الرحمن أنه أراد من خلال هاتين الرؤيتين أن يطرح تساؤلاً مفاده: هل نحن نعرف في العالم العربي ما هي إفريقيا وما هو دور الإعلام الذي يتحدث عن إفريقيا، وبخاصة الإعلام الغربي؟
وقال إننا أمام حالة من التجهيل بحقيقةإفريقيا،حيث نعتمد دائما عن الصور الذهنية والقوالب الجامدة التي يروج لها الاعلام الغربي. وقد أشار إلى التحول في الموقف الغربي من التجاهل إلى الاهتمام بأفريقيا وهو الموقف الذي جسدته مجلة الإيكونومست البريطانيةحينما جاءت صورة غلافها المنشورة عام 2000تحت عنوان «إفريقيا قارة لا مستقبل لها»، ثم في عام 2011 يأتي غلاف نفس المجلة معاكس تماماً تحت عنوان «قارة المستقبل»، متسائلاً عما استجد الآن؟ لنجد أن إفريقيا قد تغيرت وأصبحت وفقاً لتقديرات 2014 بها سبعة من أسرع عشرة اقتصادات نمواً في العالم، فهي صاعدة بما يتعلق بالإمكانات المادية والبشرية والثروات الطبيعية.
ولفت إلى أن هناك حالة من التدافع الدولي ليس بين القوى التقليدية في النظام الدولي أو القوى الاستعمارية فقط،وإنما بين القوى الدولية الصاعدة مثل الصين والهند والبرازيل، مشيراً إلى ما جاء في كتابه حول معارك التكالب الدولي الثالث ، قياساً إلى التكالب الأول الذي عبر عنه التقسيم الاستعماري وفقاً لمؤتمر برلين وتقسيم القارة الإفريقية بين القوى الأوروبية وكذلك التكالب الثاني في فترة الحرب الباردة، منبهاً إلى أن إفريقيا قد تغيرت وكل العالم يعرف بأنها تغيرت.

الوجود الإسرائيلي في افريقيا
وأضاف عبد الرحمن أننا نجد في الحالة الإسرائيلية أنهم انطلقوا من الاستفادة بالتاريخ ليعززوا من وجودهم في إفريقيا وبناء علاقات أكثر استقراراً، مثل فكرة المشابهة بين التاريخ اليهودي والتاريخ الإفريقي من حيث المظلومية والاضطهاد.
وبيّن أنه حدث انقطاع تاريخي بين العالم العربي وأفريقيا لأسباب عديدة، على الرغم من عمق الروابط التاريخية والحضارية التي تجمع كلا من العرب والأفارقة. وقد أشار في ذلك إلى مفهوم على مزروعي «أفرابيا» أي الرابطة العربية الإفريقية،حيث يرى بأنه لا وجود للبحر الأحمر في فترات جيولوجية قديمة، وأن شبه الجزيرة العربية كانت تمتد لتشمل الساحل الإفريقي، وأنه بعد الإسلام كان هناك امتداد عربي في الساحل الشرقي لإفريقيا، ولايزال التأثير العربي واضح تماما في المناطق الناطقة بالسواحيلي.
وتابع عبد الرحمن أن الروابط التاريخية بين العرب وإفريقياكانت كبيرة جداً وموغلة في القدم، كما أن الإسلام دخل إلى شرق إفريقيا عن طريق التجارة، إذ  كان هناك حركة تفاعل كبيرة جداً، ولكن حدث انقطاع بين هذه الخبرة التاريخية وأصبحنا ننظر إلى إفريقيا في إطار المنظور الصراعي، أي العلاقة الثلاثية بيننا وبين إسرائيل، فأصبحت ساحة للتنافس وليست لبناء إطار استراتيجي للمصلحة المتبادلة، متسائلاً عن الأدوات التي تستخدمها إسرائيل؟

صورة مشوهة
وأشار إلى ندوة عقدت في عام 1984 بعنوان «العلاقات العربية الإفريقية» حيث تحدث فيها الأمير الحسن بن طلال وجمع كبير من المثقفين العرب عن الصور الذهنية المتبادلة وكيف ننظر نحن العرب إلى إفريقيا وكيف تنظر إفريقيا إلى العرب؟، وإلى ما خلصت إليه هذه الندوة من وجود صورة مشوهة لهذه الرؤية بين الطرفين، من حيث استخدام دلالات سلبية مثل يا «نهار أبيض» أو «نهارك أسود» مثلاً بحسب الفلكلور السائد في كثير من الدول العربية ، كما أن دول التمازج العربي الإفريقي مثل السودان وتشاد وموريتانيا تعاني من انقسام في الهوية وتشويه صورة الآخر.
وأكد عبد الرحمن أننا أمام عملية تشويه للصورة الذهنية، وبالتالي لا يمكن أن نتحدث عن حوار استراتيجي حقيقي بين العرب وإفريقيا في ظل هذه الأجواء، مشيراً بذلك أيضاً إلى الدول الأخرى مثل مالي والنيجر وموريتانيا التي فيها حال الانقسام من جهة اللون.

أدوات الاختراق والهيمنة
 
وتساءل عما فعلته إسرائيل، لافتاً إلى أن إسرائيل ليست دولة غنية فبدأت تعتمد على استخدام مجموعة من الأدوات أسماها «أدوات الاختراق والهيمنة»، والتي من أبرزها ما يسمى «بدبلوماسية القوى الناعمة»، مضيفاً أن هناك تحول كبير حدث في النظام الدولي من استخدام «القوى الصلبة»، أو «دبلوماسية البنادق»، أما الآن فيوجد دبلوماسية اسمها «دبلوماسية الاستادات الرياضية» حيث تقوم على عمل المشاريع ومساعدة الناس في تنفيذ مشروعات البنية التحتية.
وأوضح عبد الرحمن أن إسرائيل انتبهت إلى أهمية هذه الأدوات فاعتمدتها، فكسبت قلوب وعقول الأفارقة بالتعليم والتدريب والمساعدات الفنية، مضيفاً أن أكبر مثال على ذلك ما فعلته في موريتانيا من خلال ما يسمى ببرنامج «المساعدات الدولية» التابعة لإسرائيل، إذ قامت ببرنامج طبي شارك فيه طبيب عيون مشهور بالجيش الإسرائيلي زار نواكشوط وفي أول يوم كشف عن 500 حالة، مشيراً إلى أنه عندما رجع لهذه الوثائق الخاصة بالخارجية الإسرائيلية وجد بأن جميع المشاركين في هذا البرنامج لا يتقاضون أي شيء بالمقابل، وإنما هم متطوعون.
وأشار أيضاً إلى نمط المساعدات التي تتبعها اسرائيل،والتي تتمثل بالمساعدات المتعلقة بخدمة المجتمع أو ما يسمى بـ «الزراعة الصغيرة»، فإسرائيل تقدم نفسها كنموذج، تتبادل فيه الخبرات والتدريب مع الدول الإفريقية في مجالات مختلفة منها الزراعة والصحة بالإضافة إلى التبادل التجاري، إذ يذهب متدربون من إفريقيا إلى مراكز التدريب الإسرائيلية وفي المقابل يذهب بعض المتخصصين والخبراء إلى إفريقيا، إضافة إلى المساعدات العسكرية، فالجميع يعلم أن كثيراً من مناطق النزاع في إفريقيا تحتاج إلى أسلحة، مشيراً بذلك إلى تجارة الأسلحة التي عادة ما يعمل فيها كبار المتقاعدين العسكريين الاسرائيليين بالدول الإفريقية، مما يعمل على تحقيق مصالح استراتيجية.
وأضاف أن هناك موضوع التجارة، فتبين إحصائيات معهد الألماس الإسرائيلي  أنه يحقق 6 مليارات دولار من تجارة الألماس سنويا مع افريقيا.
وأوضح عبد الرحمن أنه حتى فترة المد الناصري كانت أول دولة تقيم علاقة مع إسرائيل عام 1956 هي غانا وكانت غير مستقلة، مشيراً إلى أن إسرائيل عينت سفيرا لها في غانا بعد أشهر قليلة من استقلالها عام 1957. ويروي أول سفير إسرائيلي في «أكرا» بأنه عندما قدم أوراق اعتماده إلى الرئيس كوامي نكروما استوقفه وقال له كيف أبرر هذه العلاقة مع إسرائيل للرئيس عبد الناصر،؟. إسرائيل كانت تفتح مراكز التدريب وتنفتح أمام هؤلاء الناس وتخبرهم عن الاضطهاد العنصري، إضافة إلى الزيارات المكوكية المتبادلة على أعلى المستويات بين إسرائيل وافريقيا منذ استقلال الدول الأفريقية، والذي كانت نتيجتها هذا الوجود الاسرائيلي الكثيف ،  حتى في لحظات القطيعة الدبلوماسية التي أعقبت حرب أكتوبر عام 73 انقطعت العلاقات رسمياً مع كثير من الدول الإفريقية ولكنها فعليا كانت موجودة.
وبخصوص مسألة الوجود الإسرائيلي قال عبد الرحمن إننا أمام علاقة بين أمنين، «الأمن العربي» و»الأمن الإسرائيلي»، فإذا أردنا أن نضعف واحد فالثاني سيصبح أقوى، ففي منظور إسرائيل تسعى من اجل السيطرة على مناطق ذات أهمية استراتيجية لها، إذ إن إفريقيا ككتلةليست ذات أهمية واحدة بالنسبة لصانع القرار الإسرائيلي، وعليه فقد أعطيت الأولوية لمناطق ذات اهمية جيو استراتيجية كبيرة مثل منطقة القرن الإفريقي وحوض النيل وغرب أفريقيا.
وأضاف أن بن غوريون كان أول رئيس وزراء يعطي وزير الدفاع أمراً  بالحصول على موطىء قدم لإسرائيل على البحر الأحمر, لأنه المنفذ الأساسي على البحر الأحمر، وبدونه تستطيع أن تخنق إسرائيل، وعلى إثرها راحت إسرائيل تنظر دائماً إلى قضية البحر الأحمر بألا يكون بحيرة عربية أبداً، ذاكراً أنه في عام 2002 كان يوجد سفينة اسمها «كارينقيل بأنها تحمل أسلحة للفلسطينيين استولت عليها إسرائيل على بعد 300كم من سواحل السعودية وأسمتها عملية موسى، وعُدَّهذا تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي والدول العربية المشاطئة للبحر الأحمر.

سفارات إسرائيلية في أفريقيا
وبيّن عبد الرحمن أن عدد السفارات الإسرائيلية في افريقيا يصل حالياً حوالي 10 سفارات ومعظمها موجودة في دول حوض النيل كأريتيريا وإثيوبيا وكينيا، أي دول القرن الافريقي وحوض النيل، وهذه منطقة مهمة جداً لصانع القرار الإسرائيلي.
وأشار إلى مبدأ مهم جداً بالفكر الإسرائيلي هو «مبدأ شد الأطراف» كما هو في المناطق التي فيها توترات واصطفاف طائفي وانقسام وفيها فشل عملية بناء الدولة الوطنية مثل السودان وموريتانيا وجيبوتي، كانت هذه السمة التي تجمع بين هذه النظم بشكل عام.
وأضاف أننا سنجد هنا أن فكرة محاصرة مصر كانت مهيمنة على صانع القرار الإسرائيلي، لافتاً إلى ما قرأه في مذكرات «جوزيف لاجو» وهو أحد قادة التمرد في جنوب السودان، الذي كان زعيما لحركة أنيانيا وتتلمذ على يديه جون جارانج، حيث قال بعد حرب 73: « أرسلت خطاباً إلى «جولدا مائير» وقلت لها بأن عدونا واحد لأن السودان هو امتداد استراتيجي لمصر»، وتؤكد الوقائع التاريخية بأن السودان وفرت دعماً استراتيجياً للجيش المصري، فطلب المساعدة لإنهاك ذلك الجيش، مضيفاً أنه وبالفعل زار «جوزيف لاجو» إسرائيل عن طريق سيناء وظل هناك لمدة أسبوعين. وكانت الخطة هي كيفية إيصال السلاح إلى المتمردين في جنوب السودان.
وأكّد عبد الرحمن أن هذه رواية «جوزيف لاجو» وليست نظرية المؤامرة، إذ بالفعل تم إسقاط الأسلحة إما إلى أماكن التمرد أو عن طريقي كينيا وأوغندا فتلك الدول كانت تقدم المعارضة لجنوب السودان.
وقال إنه في عام 2011 زار رئيس جنوب السودان سلفاكير التي أصبحت دولة منفصلة عن السودان إسرائيل وقابل رئيس وزرائها وقال له: «لولا نضالكم معنا لما كنا موجودين»، مؤكداً أن هذه خطط موجودة وليست قضية مؤامرة،كما هو متصور في العقل العربي،فاسرائيل على الرغم من نشأتها المصطنعة تسعى إلى تحقيق مصلحتها في النظام الدولي.
تأثير الفراشة
 
وأضاف أن إسرائيل في أواخر العام الماضي 2014أعادت النظر في عقيدتها الأمنية، فقد أقامت مؤسسة ادموند بنجامين دو روتشيلد بهرتسيليا مؤتمرها السنوي، ونوقش فيه ما يسمى بـ «تأثير الفراشة»،the Butterfly Effect بمعنى أنه قد يحدث تغير صغير في مكان ما ويكون ذا تأثير كبير في مكان آخر، مؤكداً على أن  صانع القرار لا يستهين بأي تغير حتى لو كان بسيطاً. وقد استخدم مجموعة من الخبراء الإسرائيليين هذا المفهوم للتعبير عن ضرورة إحداث تغييرات جذرية في العقيدة الأمنية لدولة إسرائيل في أعقاب ثورات الربيع العربي من جهة ونتيجة التطورات التكنولوجية المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط من جهة أخرى. فالعقيدة التي وضعها بن غورين كانت تقوم على مبادىء ثلاثة هي: (الإنذار المبكر والردع والتفوق العسكري)، فبمساعدة الغرب يجب أن تكون إسرائيل متفوقة عسكرياً على دول الجوار لتضمن وجودها، ومن ثم أضافوا الدفاع.
وبيّن أن الإسرائيليين في المؤتمر الذي حدث عام 2014 أضافوا أربعة مبادىء جديدة هي: (الوقاية، الاستباق، التحالفات مع القوى الإقليمية والدولية، وفكرة التحالف والتكيف)، مضيفاً أن التكيف سيرجعنا لمسألة تأثير الفراشة، فقد رأينا الوقاية والضربات الاستباقية عملياً، فإسرائيل مثلاً نفذت  ضرب بعض القوافل في شرق السودان في حين أن السودان لم يعلن ذلك إلا بعد شهر ، كما أنها كانت على بعد كيلومترات من  الحدود  المصرية، وهذه مسألة خطيرة.
وأضاف أن اليد الطولى هنا هي بالتحول في الموقف الإسرائيلي الاستراتيجي نحو فكرة الوقاية والاستباق، وفيما يتعلق بالتحالفات الإقليمية، بدأنا نشهد تحولات، مبيناً أنه لا يتحدث عن المبادرات العربية، فهذه المنطقة مهمة جداً في إطار إعادة تشكيل القرن الإفريقي،كما بدأ الحديث عن صعود بعض الدول الإفريقية  في منطقة حوض النيل في مقابل تراجع القوى العربية الإفريقية.
وأوضح أن تراجع مصر قد حدث على مر الثلاثين سنة الماضية حيث غابت عن الساحة الإفريقية، وعندما انفصلت السودان بمشروع أميركي لم تتدخل مصر.

اتفاق الأمر الواقع
وقال إن التحالف الاسرائيلي مع كينيا وإثيوبيا هدفه محاصرة مصر والأمن العربي،كونها من دول حوض النيل، ما يرجعنا إلى الاتفاق الأخير وهو «سد النهضة» الذي يُعد اتفاق الأمر الواقع، مبيناً أن إسرائيل تقدم نفسها على أن لديها خبرة طويلة في محاربة الإرهاب، حينما وقعت حادثة «ويست جيت»، وهو هجوم جماعة الشباب المجاهدين الصومالية على أحد مراكز التسوق في نيروبي كان أول من وصل نيروبي هم الخبراء الإسرائيليون، وبالتالي يوجد اهتمام كبير بهذه الدول وبصفة خاصة من قبل إسرائيل، وعلى الرغم من العداءات بين ارتيريا ودول الجوار لكن هناك سفارة إسرائيلية في ارتيريا وتقرير ستراستفورد الأمني يتحدث عن  وجود قواعد استخباراتية اسرائيلية في أريتريا.
أما بالنسبة للتكيف قال عبد الرحمن إنه تم تدشين أول لوبي إسرائيلي في الكنيست بقيادة العضو شمعون سلمان في أيار 2014 وافتتحه وزير الخارجية إفيجدور ليبرمان، مضيفاً أنه يهتم بدعم العلاقات الإسرائيلية الإفريقية، مشيراً إلى أننا على سبيل المثال لا نجد في مصرلوبي مصري يتحدث عن أهمية العلاقات المصرية الإفريقية، فهذه مسائل تبين هذا الوجود الإسرائيلي البارز الموجود في إفريقيا والتركيز على بعض مناطق دون البعض الآخر.
وأشار إلى نقطة سد النهضة، بعيداً عن فكرة حرب المياه، ففي زيارة لمسؤولين إسرائيليين إلى أديس أبابا تم توقيع اتفاقية تعاون في مجال الكهرباء، لأنهم يفترضون بأن السد انتهى وسيتم توزيع الكهرباء، وبالتالي إسرائيل سيكون لها دور في المنطقة، مضيفاً أن الإشكالية الكبرى تكمن بأن هذا السد هو رمز لتغيير موازين القوى، فهي سياسة واقعية، إذ إن عدد سكان أثيوبيا 90 مليون نسمة أي أكثر من مصر.
وبيّن عبد الرحمن أن إثيوبيا تقود حركة تطور كبيرةجداً منذ عام 2000 حتى الآن، ومعدل النمو الاقتصادي فيها يصل إلى 11%، كما أنها تقوم بتطوير الطاقة الاستيعابية لمطارها الدولي ليصبح عدد الركاب لديها عشرين مليون راكب سنويا في العام 2017، إضافة إلى أنها تدخل في إنشاء مطار عملاق لتكون طاقته الاستيعابية 70 مليون راكب بعد الإنتهاء من تنفيذه بحيث تصبح بوابة أفريقيا للعالم الخارجي.
وتساءل مستنكراً كيف يعقل أن تكون طاقة سد النهضة وهو أكبر سد عملاق 76 مليار متر مكعب أي بمقدار اجمالي تدفق مياه النيل إلى مصر والسودان لمدة عام،واصفاً الأمر بالمصيبة، متسائلاً ماذا سيحدث لمصر والسودان لوقامت أثيوبيا بملء خزان السد في سنوات الجفاف؟، مضيفاً أن مصر تحديداً ليس لديها خيار، إذ لا تملك القوة لضرب السد، لافتاً إلى أن اكتمال سد النهضة وصل الآن إلى نسبة تنفيذ مقدارها 40%، وفي حال أثبتت تقارير الخبراء الدوليين بعض الأثار السلبية للسد بعد 15 شهرا يكون العمل قد انتهى في بنائه.

إعلان مبادئ
وأوضح أن ما حدث في الخرطوم ليس اتفاقا، بل هو إعلان مبادىء، مضيفاً أنه في القانون الدولي هناك اتفاقية أو معاهدة يترتب عليها التزام دولي. عموما نحن امام خيار تفاوضي بين كل من مصر والسودان واثيوبيا وهو يعتمد على حسن النية.
وبيّن أنه بالرغم من كل ذلك يوجد هناك قضيتان، الأولى تتمثل بالسعة التخزينية، كون لها تأثير، إذ كلما كان هذا الخزان كبيرا كلمااحتاج لفترة أطول حتى يمتلىء، مما سيؤثر على تدفق الماء، والقضية الثانية تتمثل بسياسات التشغيل، إذ إن جميع المفاوضات التي حدثت بين الجانبينالمصري والإثيوبي فشلت في تضمين السعة التخزينية، فقد كانت 11 مليار متر مكعب والإثيوبيين جعلوها 76 مليار متر مكعب أي ستة أضعاف، والسد ينتج بعد ذلك 6 مليار ميجا واط سنوياً، وبالتالي يغطي حاجة إثيوبيا من الطاقة الكهربائية وتصدر الباقي إلى الدول الأخرى بما فيها مصر والسودان وتكسب بالمقابل مليار دولار سنوياًً.
 
وأضاف أنه لم يكن أمام مصر خيار آخر سوى التفاوض، إذ إن فكرة العمل العسكري لا يمكن أن تتم، والتفاوض يعكس ميزان القوى، مشيراً إلى أن السيسي غير سعيد لأنه يعلم بأن الرابح الأساسي هو إثيوبيا، مضيفاً أن الإيجابية الوحيدة هي في احترام التعاون، في حين الذي تحقق هو أن السد أصبح مولوداً شرعياً.
ولفت عبد الرحمن إلى أن الاتفاقيات تكون على المياه وليس على السدود، فعبد الناصر عندما عمل اتفاق السد العالي لم يكن اسمه اتفاق السد العالي إنما مياه نهر النيل، والمثير أيضاً أن إثيوبيا عندها 5 سدود أخرى غير سد النهضة على النيل، مؤكداً أنهم أمام تحد خطير جداً، وهذه الحالة ليست مصر وأثيوبيا الخمسينات والستينات، فهناك تحول حدث في موازين القوى.
وأشار إلى أنه لم تظهر الدراسات الدولية التي أجريت على المشروع أي تأثير كبير له على النواحي الجيولوجية أو البيئية، إضافة إلى أنها لم تشر إلى فكرة الطاقة الاستيعابية أو التخزين أوحجم السد بل كان هناك تأييد كبير لها في هذا المجال.
وأضاف أن هناك شركة إيطالية تنفذ المشروع بتمويل صيني كوري جنوبي، ولديهم دراسات عنه، مشيراً إلى أنه غير مطمئن لهم، إذ بالرغم من ذلك هناك بعض الدراسات تشير إلى أنه ستغرق الخرطوم إذا حدث انهيار في السد، وهذا من شأنه أن يهدد الأمن القومي لمصر والسودان، مفترضاً أنه إذا تعرض  السد لعملية عسكرية من المتمردين أو لخلل فني مثلاً فستكون النتيجة كارثية كونه قريب من الخرطوم.

خط التنمية العربي
وأكّد عبد الرحمن أن العلاقة الكلية هي لصالح قوى غير عربية، ويقصد بها إسرائيل، أما الصين وإيران وتركيا فلها دور ناعم، مضيفاً أننا أمام قوى جديدة بمنهج جديد، وأصبح هناك تكالب جديد في نظام مرحلة ما بعد الحرب الباردة وفق نموذجين في علم العلاقات الدولية: الأول جون وليامسون وأسماه «إجماع واشنطن»، وهو التأكيد على نمط التنمية الغربي الليبرالي المرتبط بالمشروطية السياسية الأميركية وهي احترام حقوق الإنسان وقضايا الهيمنة الأيدلوجية الأميركية، مشيراً إلى أن الأفارقة ينفرون من هذا المنهج، ففكرة الشذوذ الجنسي مرفوضة عند الأفريقي، مضيفاً أن البرلمان في زامبيا أقر مشروع يحظر المثلية الجنسية، فإذا بالغرب ينقلب والولايات المتحدة تهدد بقطع جميع المساعدات والمعونات إذا لم يجمد هذا القانون، ما أدى  إلى تراجع البرلمان وتجميد القانون.
وأضاف أن في عام 2004  طرح الباحث الأميركي «جوشوا رامو».ما يسمى «إجماع بكين»ليكون بديلاً للنموذج الأول كون الصين ليست لديها خبرة استعمارية فضلا عن كونها دولة نامية، فالنموذج الصيني يؤمن بهذه القوة الناعمة ويدخل إلى القارة الإفريقية عبرها، إذ يوجد 30 معهد كونفوشيوسي فيها،كما يوجد مايقارب المليون صيني في القارة الإفريقية، وبالتالي اكتشفت الصين عالم إفريقيا ووجدت فيه فرصة استثمارية كبيرة، مؤكداً على قوة الوجود الصيني في إفريقيا، مشيراً بذلك إلى زيارة رئيس الوزراء الصيني لمجمع الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا الذي بُني بمنحة صينية.

العرب.. الخاسر الأكبر
وقال عبد الرحمن إنه في ظل هذا التكالب الدولي الجديد على إفريقيا سنجد أن الخاسر الأكبر هو العرب، فقد عُقدت إلى الآن ثلاث قمم عربية إفريقية، القمة الأولى عام1977 في القاهرة، والثانية في عام 2010 في سرت تحت الزعامة الكاريزمية للعقيد الراحل معمر القذافي الذي كان يطمح في صياغة القذافية الجديدة في إفريقيا، ذاكراً أن كثير من الدول الإفريقية أحبت القذافي لكن فكرة شخصنة التحرك العربي تجاه إفريقيا لم تكن صائبة.
وأضاف أن القمة الأخيرة وهي قمة الكويت عام 2014 تعاملت مع موضوع العلاقات العربية الافريقية على أنها مسألة مالية، إذ إن أحد مخاطر الإرث القديم للعلاقات العربية الإفريقية هي فكرة الابتزاز والمساومة، بمعنى أعطونا مالا لنساندكم بالقضايا العربية بالمحافل الدولية، فلم تكن علاقات مؤسسية.

حوار استراتيجي
وفي نهاية حديثه أوضح عبد الرحمن أننا بحاجة لتدشين حوار استراتيجي جديد بين العرب والافارقة تحذف منه كل المحرمات، التي منها: فكرة الاستعلاء والصور الذهنية المتبادلة المشوهة،ولا بد من إعادة صياغتها بشكل جديد على أساس الندية والكفاءة والمشاركة.
وأضاف أن الدول الافريقية بحاجة إلى تدريب وهذا كله موجود عند الأردن والجزائر ومصر، وفي ظل حالة الانقسام هذه فإن ذلك لن يحدث قريباً، مشيراً إلى أن المجتمع المدني الاسرائيلي يساعد على تحقيق أهداف التغلغل الاسرائيلي في أفريقيا.وهذا غير موجود لدينا، فالدبلوماسي العربي الذي سيذهب إلى أفريقيا لا يكون سعيداً، مؤكداً أن فكرة الأفكار الجيدة لا يوجد من ينفذها.
ولفت إلى أن نقابة الأطباء في مصر مثلاً لها نشاط في أفريقيا، لكنه يتم بعيداً عن مظلة وزارة الخارجية وإن تم يتم بشكل فردي، في حين أن وزارة الخارجية الإسرائيلية مثلاً هي المنسق العام فهي تُوظف لتحقيق الأهداف السياسية،مؤكداً أنه لو حصل هذا فإننا يمكن أن نتخطى الانقطاع بين العرب وإفريقيا ونحقق الحلم.

الحضرمي: إعادة بناء الاستراتيجية العربية الأفريقية
قال  استاذ العلوم السياسية د.عمر الحضرمي إن موضوع العلاقات العربية - الافريقية يُعَدّ موضوعاً حساساً وبخاصة موضوع سد النهضة، مضيفاً أنه غير متأكد فيما إذا كان العالم العربي يعرف شيئاً عن سد النهضة.
وأضاف أن تاريخ العلاقات الافريقية - الإسرائيلية تعود إلى ما قبل عام 1979، حيث شارك كموظف في وزارة الخارجية الأردنية في مؤتمر عدم الانحياز في كوبا وكانت مصر انتهت من توقيع اتفاقية كامب ديفيد، مضيفاً أن دولاً افريقية كثيرة كانت مشاركة في المؤتمر، مشيراً إلى ردة فعل أحد الأفارقة المشاركين اتجاه  حديث مندوب منظمة التحرير الفلسطينية عن ضرر «كامب ديفيد»، حيث قال: «إن علاقتنا السيئة مع إسرائيل قد انتهت لأنها أعادت أرضا  افريقية».
وأكد الحضرمي أن إصلاح العلاقات العربية الإفريقية لن يتم إلا بتغيير العرب لمنهجهم في التعامل مع الدول الإفريقية، وبإعادة بناء الاستراتيجية العربية الإفريقية، مشيراً إلى أن كل ما يرد في الجامعة العربية من أحاديث حول العلاقات العربية الإفريقيةكانت تنصب على الجزائر مثلاً وتُنسى باقي الدول.

أبو حجلة: ربط  الكونغو بالنيل الأبيض
وتساءل الكاتب موسى أبو حجلة عن إمكانات ربط نهر الكونغو بالنيل الأبيض، وعن خصوصية العلاقات المصرية السودانية .

الشوا: التفاوض على إلغاء مشروع النهضة مستحيل
واتفق المحامي سفيان الشوا مع عبد الرحمن بأن إسرائيل تغزو إفريقيا وتقلم أظافر العالم العربي أينما وجد وبخاصة مصر، كما أنها دخلت البحر الأحمر من شماله عبر إيلات، ومضيفاً أنها تريد السيطرة على جنوب البحر الأحمر من باب المندب، وأشار إلى أن إسرائيل لديها مصالح في ارتيريا، التي تُعدّ أكبر قاعدة عسكرية لها خارج إسرائيل.
وأشار إلى الدور الذي لعبه عبد الناصر من تمتين للعلاقات مع إفريقيا، مؤكداً أن  مصر هي «قاطرة العرب»، مضيفاً أنه بعد حرب 67 أصبحت 17 دولة افريقية  لها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وعادت العلاقات مع إسرائيل بعد ذلك أكثر وبقوة.
وقال الشوا إن التفاوض على إلغاء مشروع سد النهضة مستحيل، مضيفاً أن القضاء على المشروع لا يكون إلا بالحل العسكري، وأن مصر الآن ضعيفة، عازياً سبب انقطاع العالم العربي عن إفريقيا إلى مصر، فهي التي سمحت لإسرائيل الدخول إلى إفريقيا.

 


حوارات: العرب لا يفكرون لأجل افريقيا
قال د.منذر حوارات إن إفريقيا احتلت عبر التاريخ صورة نمطية في أذهان الكثيرين، بأنها مزودة للعبيد وممراً للقوافل لا يعبر عن أي مدى حضاري، إضافة إلى أنها لم تستطع بذاتها عبر تاريخها أن تكون حضارة موحدة يمكن أن تلفت إليها العالم، لافتاً إلى أننا كعرب لا نفكر بإفريقيا لأجل إفريقيا بل نفكر فيها كمكان للاستثمار.
وأضاف أن إسرائيل أيضاً تستحث التاريخ لتوجد سليمان في إفريقيا،وتحاول أن ترسم مفهوماً لإقلاع حضارة إفريقية وفق مفهوم محدد تؤوله تاريخياً لصالحها، كما أن الغرب يرى إفريقيا على أنها مجالاً للبحوث لدراسة علوم التاريخ والأنثروبولوجيا.
وبيّن حوارات أن إفريقيا بحد ذاتها تحتوي على الكثير،فهذه الأمم المترامية لا تستطيع الآن أن تقلع حضارياً، متسائلاً عما إذا كان لنا نحن العرب الممتدون في إفريقيا لغوياً ودينياً أن نمارس دوراً حقيقياً في هذه القارة الممتدة من خلال إيجاد مفهوم ثقافي لإقلاع هذه الحضارة، بحيث أن يكون لها مكان لا أن نفكر في إفريقيا كمفهومنا الاستراتيجي، داعياً إلى التفكير بإفريقيا لأن تكون مخزوناً مستقبلياً لمفهوم حضاري يقلع من جديد لصالحنا نحن العرب.

الكناني: تفعيل الدور العربي في القارة الأفريقية
وقال الكاتب والصحفي العراقي سعد الكناني إنه بعد إعلان ما يسمى الاتفاق بين مصر وإثيوبيا والسودان وانه يشعر بالقلق، ليس لعدم وجود تفاؤل عند العرب حول التفعيل، وإنما لأن العرب غير مهتمين نتيجة الانقسامات المتعددة وهذا ما يفرض علينا.
وأضاف أن التوغل الإيراني هو أكثر فعالية الآن ما بعد إسرائيل في القارة الإفريقية، كون إيران موجودة إفريقيا.
وتساءل: هل بإمكان العرب أن ينفتحوا على إيران وفق مفهوم التوافق، وأن يشكلوا ضغطاً حول مسألة سد النهضة أو بتفعيل الدور العربي في القارة الإفريقية بصرف النظر عن البعد القومي أو الطائفي؟

الشوبكي: اللجوء إلى القانون الدولي
وتساءل د.حامد الشوبكي إذا كان بالإمكان اللجوء إلى القانون الدولي أو الأمم المتحدة  في قضية سد النهضة كون المياه دولية.

الشناق:منظومة الأمن القومي
أشار أمين عام الحزب الدستوري د.أحمد الشناق إلى أن فرص العرب الضائعة في العمق الإستراتيجي الإفريقي كانت وفق أحداث تاريخية هددت أولاً حضارة مصر القائمة على منابع النيل، وهي الدولة الأكبر بين أشقائها العرب، وأكبر تهديد لمنظومة الأمن القومي العربي على اعتبار أنه كل لا يتجزأ.
وتابع قائلاً، أن الحدث الأول كان بانفصال السودان عن مصر في خمسينييات القرن الماضي، وتبعه في السنتين الماضيتين إنفصال جنوب السودان عن السودان.
وأوضح أنه بعد كامب ديفيد الذي صنع استقراراً على الجبهة المصرية الإسرائيلية، كانت فرصة مصر الإستراتيجية أن تبني علاقات مع العمق الأفريقي المهدد للأمن القومي .
 
وأضاف أن غياب المشروع العربي والرؤية العربية ببناء علاقات متوازنة مع القرن الإفريقي، أعطى فرصة للطرف الإسرائيلي بالتفرد والتغلغل في إفريقيا الذي شكل تهديداً للأمن القومي العربي.

عبد العزيز: إطلالة تاريخية متعمقة بالعلاقات العربية الأفريقية
ولفت الباحث عاطف عبد العزيز إلى العلاقات التاريخية والمعيشة والمودة بين الدول العربية ممثلة بمصر والسودان، وإلى علاقاتها الحقيقية بالشارع المصري والسوداني ومدى التآلف الحقيقي، بالرغم من أن معظم دول القرن الإفريقي يدينون بالإسلام وملتزمون به جيداً، داعياً إلى إطلالة تاريخية متعمقة بهذه العلاقات.


الشرع: النخبة تصنع الخيارات السياسية
 
وقال د.صالح الشرع إننا متفائلون رغم كل المشكلات، فالشعوب لا تصنع خيارات سياسية، إنما من يصنع ذلك هم النخبة.
وأضاف أن مراكز الدراسات سيكون لها تأثير جيد في صياغة المستقبل.



الإجـــــــــابـــــــــات
وفي رده على التساؤلات قال عبد الرحمن إنه ذكر في كتابه «الإختراق الإسرائيلي لأفريقيا»، بأن إسرائيل تاريخياً لها أحلام في نهر النيل عبر مشروع «اليشع كالي»وفكرة توصيل نهر النيل إلى النقب، مشيراً إلى أن السادات تحدث عن هذه الإمكانيات الأمر الذي أغضب الأفارقة كثيراً.


ورأى أنه للتخلص من هذه المؤامرة يجب الاهتمام بالأحداث وليس بالتحليل، فالعلاقات الإسرائيلية الأثيوبية قوية على المستوى الأمني والاستخباراتي، كما أن العلاقة الأميركيةدائماً مصاحبة للعلاقة الإسرائيلية، مشيراً إلى استفادة إسرائيل من وجود قاعدتين أميركيتين الأولى في جيبوتي، والثانية قاعدة للطائرات من دون طيار في شمال النيجر منذ عام، وتتحكم بالشمال الإفريقي،مضيفاً أن هذا يعدّ إخلال للأمن العربي.


وأضاف عبد الرحمن أننا لم نسمع أي تصريح واحد من الجامعة العربية يدين فيه الاحتلال الكيني للأراضي العربية.
وقال إن مفهوم الأمن القومي أصبح محل نظر، والعرب ليس لديهم وعي بخطورة سد النهضة التي تعد قضية مصيرية، فالجميع يعيد التشكيل الجيوستراتيجي للمنطقة والعرب خارجها، مشيراً بذلك إلى القيادة العسكرية الأميركيةفي إفريقيا (أفريقوم) التي أنشئت أواخر عام 2007، مبيناً أن إفريقيا كانت موزعة على ثلاث قيادات عسكرية، أما التشكيلة الجديدة  فقد أصبحت إفريقيا كلها تحت قيادة واحدة باستثناء مصر، فهي الدولة الإفريقية الوحيدة التي ما زالت تحت القيادة المركزية العسكرية.


وأوضح عبد الرحمن أن أميركا تريد الشرق الأوسط الكبير، والقرن الإفريقي الذي يبدأ عند ارتيريا والصومال، يتحول إلى القرن الإفريقي الكبير ويشمل جميع دول حوض النيل، مضيفاً أنهم حينما خططوا لانفصال جنوب السودان كان هدفهم أن يولي جنوب السودان وجهه شطر إفريقيا وليس شطر العالم العربي، أي شطر نيروبي وأوغندا وإثيوبيا وليس القاهرة والخرطوم، وأن يربطوه بسكة حديد وبشبكة اتصالات مع دول إفريقيا.


وأكد أننا لا يمكن أن نتقابل مع المشروع الإيراني، فنحن أمام مشروعين متناقضين، تستخدم إيران فيه التوظيف السياسي للمذهب الشيعي، أو التشيع السياسي بحركيته، لافتاً إلى أنه قام بعمل دراسة لبعض الجماعات الإسلامية في نيجيريا يقودها شخص اسمه إبراهيم الزقزاقي، فوجد أنها كانت من الإخوان المسلمين، وتحت تأثير إيران وحزب الله تشيع لتصبح الجماعة جماعة شيعية، فانتشر المد الشيعي بشكل كبير، مضيفاً أن إيران تحاول أن تحقق مشروعها الكبير الحضاري والذي يقوم على تقويض الوجود العربي.


وأضاف أن المشروع الثاني تتبناه تركيا التي قدمت وجهاً آخر، يتمثل بالديمقراطية والإسلام المعتدل، فالانطلاق التركي كان سيكون سريعاً في القارة الإفريقية لولا هذا الانقسام الذي حصل بين أردوغان وعبد الله كولن الذي كان له تأثيراً سلبياً.


وأشار عبد الرحمن أن المشروع الذي ينادي به يمكن أن ينطلق بشكل عربي لو أخذنا بمفهوم الرؤية العربية وتفكير الحوار الاستراتيجي.


وقال أنه لا يوجد بديل للتفاوض لحل مشكلة  سد النهضة، والعمل عسكري يعدُّ حلاً مستحيلاً، إذ لا النظام الدولي يسمح بذلك ولا القدرات المصرية، وستكون النتائج كارثية أيضاً، مضيفاً أن لا بديل أمام مصر إلا استخدام أدوات جديدة والتعامل مع المتغيرات الجديدة.


وأوضح عبد الرحمن أن التحكيم الدولي ليس في صفّنا، لأنه يوجد بالتحكيم الدولي شيء اسمه «التوارث الدولي»، فمصر تقول إن إثيوبيا ملتزمة باتفاق «1929» وباتفاقات أخرى، بالرغم من أنها لم تكن موجودة سابقاً،كما أن مصر تؤكد أن هذه المسؤولية الدولية، بينما توجد آراء اخرى في القانون الدولي تسمى «نظرية الطبق الأبيض» تنص على أن الدولة غير مسؤولة عن الخبرة الاستعمارية، بعكس النظرية الأولى .


وأضاف أنه بصرف النظر عن الموقف المصري، فهناك حالة من الانقسام في القانون الدولي في ما يتعلق بالمسؤولية الدولية، إذا أمامنا قانون اتفاقية الأنهار الدولي وهذه غير مصدقة من كل الدول بما فيها مصر وإثيوبيا وبالتالي هي غير ملزمة.


وأكد عبد الرحمن أننا بحاجة إلى التفاوض مع إثيوبيا، إذ إن 80% من إيرادات نهر النيل تأتي من النيل الأزرق عند الإثيوبيين، ونحن لا نعلم كيف يفكر الإثيوبيين، فهم يقولون بأن نهر النيل لهم وبأنهم يمتلكون حق النهر، كما أنها تشكك بأنه نهر دولي عابر.


وبيّن استحالة ربط نهر الكونغو بالنيل الأبيض، إذ يهدر من نهر الكونغو 120 مليار متر مكعب سنوياً، في حين أن 20 مليار تحل المشكلة كلها، لافتاً إلى أن هذا الأمر يعد مستحيلاً بسبب عدم الاستقرار السياسي في هذه الدول، حيث أن أوغندا لن توافق بأن يمر النهر فيها، وبالتالي سد الكونغو لا جدوى منه.


وتابع أن هناك ضغط كبير من كمية 100 مليار متر مكعب، وبالتالي نريد طاقة استيعابية ضخمة لتوسعة قناة الربط أو توربينات كبيرة جدا واصفاً الأمر بالصعب.


وأشار إلى أن الحل الوحيد أمام مصر هو في منطقة جنوب السودان التي تعد منطقة مستنقعات، وذلك عبر إنشاء قناة  جونجلي تعبر هذه المستنقعات من النيل الأبيض تعمل على توفر كمية التبخر، وبالتالي تحصل مصر على 4 مليارات متر مكعب، مضيفاً أن نسبة تنفيذ قناة جونجلي وصلت الى70%  عام 1983، ولكن العمل بها توقف بعد اندلاع الحرب الأهلية في جنوب السودان.
ودعا عبد الرحمن إلى تغيير ثقافة استهلاك المياه في مصر، والعمل على ترشيدها عبر إعادة النظر في تركيبةالمحاصيل التي تستهلك مياه كثيرة مثل الأرز.


كما دعا مصر إلى إعادة النظر في أساليبها التفاوضية، والتفكير بحلول تفاوضية كبيرة، واللجوء إلى دول الخليج بدلاً من إيران، كون دول الخليج لديها استثمارات كبيرة في السودان وفي إثيوبيا لتحقيق الأمن الغذائي.


وتساءل عما إذا بإمكان العرب الانطلاق بالمشروع الحضاري مع إفريقيا وتغيير الصورة الذهنية عن إفريقيا بأنهاقارة لم يكن عندها حضارة، لافتاً إلى أن نيجيريا رغم كل الصعوبات التي تمر بها، إلا أنها مرشحة أن تكون عضواً في مجموعة البركس التي تضم البرازيل والهند وروسيا والصين وجنوب أفريقيا لأن اقتصادها أصبح يحتل المكانة اظلولى افريقيا.
وقال عبد الرحمن إن الاحتكاك العربي بإفريقيا يتجاوز المرحلة الإسلامية، إذ لدينا جذور ارتبطت بإفريقيا قبل الإسلام، مضيفاً أن الاستعمار كان سبباً بانقطاع العلاقات، وحاول أن يفصل هذه الجذور التاريخية إلى درجة أنهم أصبحوا يطلقون مسميات تفرقة مثل: إفريقيا السوداء وإفريقيا العربية.


ومن جانب آخر أكد عبدالرحمن أن الأمل ما زال موجوداً لخلق نخبة مثقفة عربية واعية بمفهوم المثقف العضوي بالمعنى الجرامشي، المهتم بالأمة.


وكما أكد أنه يوجد تراجع عربي اتجاه إفريقيا مشيراً إلى مقالته التي بعنوان «سد النهضة وانتهاء الزمن العربي»، مضيفاً أننا لسنا في أيام المدّ العربي في الخمسينات والستينات، فمصر كان لها دور ووجود في القارة الإفريقية وفي كل مكان، مؤكداً أننا نستطيع بناء نهضة جديدة.


أما بالنسبة إلى السودان، قال عبدالرحمن إن الروابط الشعبيةبين مصر والسودان تختلف عن المستوى الرسمي من العلاقة بينهما، أي أننا أمام نظامين مختلفين أيديولوجيين في مصر والسودان، مضيفاً أن العلاقة مع السودان دائما كانت ترتبط بالنخبة الحاكمة بالبلدين، والمؤشر كان قضية حلايب وشلاتين، فعندما تسوء العلاقة تأتي قضية حلايب وشلاتين، وعندما تتحسن العلاقة يكون هناك تكامل وأخوة، إذ إننا أمام تغير مزاج النخبة الحاكمة مما يؤثر على العلاقة التاريخية.
وأضاف أن الأفارقة أحدثوا تحولاً في منظمة الوحدة الإفريقية وأصبحت منظمة الإتحاد الإفريقي، كما أصبح عندهم آلية التدخل السريع ومجلس أمن وسلم إفريقي، في حين أن الجامعة العربية ليس لديها إرادة لاتخاذ القرار تنفصل عن مصادر التمويل الأساسية والكتل الأساسية، وبالتالي التعويل على الجامعة العربية في صياغة مشروع جديد يُعد أمراً لا يوجد له مصداقية على أرض الواقع.


ودعا د عبدالرحمن إلى إعادة تشكيل الوعي العربي وإعادة صناعة القرار العربي وفقاً لما يحدث في إفريقيا، مؤكداً على ضرورة انفتاح نخبة المال والأعمال على إفريقيا مثل أوروبا.