الدراسات
«داعش» : التنظيم..الجهاد..البيعة ..ثم الخلافة! '''تأصيلات شرعية وتنبيهات واقعية PDF طباعة أرسل إلى صديق


مركز الرأي للدراسات

اعداد: علي بن حسن الحلبي الأثري

تموز 2014

لمن لا يزالُ غيرَ عارفٍ معنى هذا اللقبِ-(داعش)-وسببَه ؛ أقولُ : هو اختصارٌ مِن بعض حروف عنوان حركتهم وتنظيمهم، الذي هو:«الـ(ـد)ولة الـ(إ)سلامية في الـ(ـعـ)ـراق والـ(ـشـ)ـام»-!

وإن كانوا هم-الآن!-من حيث الواقعُ-يَرون أنفسَهم في مرحلة جديدة : مِن (التنظيم) إلى (الدولة!)، ومن(الحركة)إلى (الخلافة)-مما سيكون-عملياً-سبباً في تذويبِ مُصطلح (داعش)شيئاً فشيئاً-!!!

وابتداءً : لا بُد مِن قول كلمةٍ-مهمة-فيما أَرى-:

التركيزُ –بل التضخيمُ!- الإعلاميُّ الكبير-الحالي-على (داعش)،وظهورها، وانتشارها، وبطشها، وعُنفها، و...قوّتها..أكثرُه ليس بريئاً ! وبخاصةٍ مع تَعانُقِه –كيفما كان الأمرُ-مع التخويف(!) الصهيونيّ-المستمرّ-لبلادنا الأردنية المبارَكةِ -وغيرها- منه!ومِن أخطارِه!

والحقُّ : أننا –بفضلٍ الله-تعالى-ورحمته-في هذا البلد الميمون-خاصّةً-بمَنأى بالغٍ-إن شاء الله- مِن هذه المخاطر المدّعاة،وتلكم التهويلاتِ المفتراة :لأسبابٍ كثيرةٍ –دينيّة ،ووطنية ،وسياسية ، واجتماعية ، وفكرية-خاصة وعامة- ليس هنا موضعُ تعيين مجالاتِها،وتبيين مساراتِها ، «وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ الله».

ولكنّ هذا الائتمانَ الحاضرَ-الواعيَ- لا يمنعُنا –كُلّاً في موقعه وموضعه- مِن الحذَر والانتباه-وهما موجودان-ولله الحمدُ-وعلى مستويات عالية- : مِن شيءٍ مِن مغامرات اعتباطية (فُجائية) قد يقوم بها بعضُ المتحمّسين العاطفيِّين-الذين قد يكونون مخلِصين –هنا أو هناك-!!

وعليه؛فأقول:

ظهر هذا (التنظيم) فجأةً..وتصدّر المشهد فجأةً..ثم توسّع فجأةً..ثم أعلن الخلافةَ-فالخليفةَ-فجأة!

كلُّ هذا..بتسارعٍ مُدهِشٍ يفتح أمامَ مجالاتِ التفكير المنطقيّ(!)-واحتمالاتِه المتكاثرة-أَلفَ بابٍ وباباً!!

ولكنّنا لن نخوضَ -قَطّ-بالظنِّ !ولا بالتخمين ! ولا بالطعن في النيّات :وإنما سننطلقُ –بثبات وتحقيق- مِن باب العلم ،والحُجّة ، والبُرهان-مما هو منظورٌ للجميع-لا غير-:

فمِن ناحية عامة ؛ جذورُ هذا التنظيم مرتبطةٌ -تماماً-بالأُسُس الفكرية (والحركية) التي انبنى عليها (تنظيم القاعدة)-وهي: دعوى الجهاد!والغلوّ في التكفير!وما يُبتنى عليهما مِن..ومِن..-!وهو ما تنبّهنا لمخاطرِه ،وحذّرنا من آثارِه : مبكِّراً-ولله الحمدُ-منذ بضعة عشر عاماً : قبل أحداث (11/9-مباني نيويورك)،وأحداث (9/11-فنادق عمّان)-وذلك فيما كتبناه مِن كتب
عدّة،ومقالات متعدّدة؛أهمّها:«التحذير من فتنة التكفير»،و«صَيحة نذير بخطر التكفير»-وغيرِهما-والله المستعان-.

وقد تفرّع –على ساحة الثورة السورية- عن (تنظيم القاعدة)-:(جبهةُ النصرة)، ثم كان ظهور(داعش) -أيضاً -على ساحة الثورة السورية -بعد ذلك!ثم وقعت بينهما (!) المقاتلُ والمهالك!!!

وعلى إثر هذا الظهور (الداعشي)-ولأسبابٍ وأسبابٍ!- : حصل فكُّ الارتباط مع (داعش)–وذلك مِن خلال تصريح مُعلَن-ومشهور-وعلى لسان أيمن الظواهري(الأمير الحالي لتنظيم القاعدة) ؛لتُجعلَ الصلات الحركية بين (تنظيم القاعدة) وفرعها الشاميّ (العلَني) -بكافة أشكالها- محصورةً بـ(جبهة النصرة)-لا غير-!

وعَوداً على بَدء:

(التنظيم) : مِثلُه على الساحة الحزبية الإسلامية كثيرٌ –وفي كل مكان- ؛ولا يزالون-أجمعون!- ينخرون في جسد الأمة الواحدة ،ويفتّتونها،ويمزّقون شملَها-من غير انتفاع بتجرِبة!ولا عبرةٍ بنتيجة!ولا يزالون!!

* أما (الجهاد)؛فهو الورقة الرابحة التي لا تزالُ كثيرٌ من الأحزاب والحركات-إلى هذه اللحظة-تستخدمُها-بقوة!-لتكونَ الجاذبَ الأكبرَ لكثير من الشباب المسلم الطيِّب الصادق-والذي لا نشكّك في نواياهم-شرقاً وغرباً--للانخراط الحزبيّ الأعمى في جماعاتٍ لا يعرفون ما/مَن=وراءها!

طمَعاً مِن هؤلاء الشبابِ-جميعاً-سدّدهم الله إلى مزيد هداه- بنَيل رضوان الله ، والفوز (سريعاً) بجنّته-تعالى-نسأل ربَّنا أن لا يحرمَنا منها-.

و(الجهاد)-مِن حيث هو-شاء مَن شاء!وأبى مَن أبى!-يمثِّلُ «ذُروة سَنام الإسلام»-كما قال نبيُّنا الكريم-،ولكنّ العبرةَ في أحكام وجوبه ومشروعيّته الكامنةِ في ضوابطه ، وقائمةٌ في موجباته،وأسباب وجوده!

فالفيصلُ بين التهوّر والشجاعة خيطٌ رفيع ؛كما أنّ الفرق بين (الجهاد) والإفساد -أيضاً- خيطٌ-لعلّه-أرفعُ!

ومِن دقائق الفقه الإسلاميّ العالي-في هذا الباب-ممّا يُغفله-أو يجهله!-عامةُ مُنظّري الجهاد (!) العصري-اليوم-فضلاً عن جمهور شبابِهم-ممّا أوقعهم بمهالكَ لا يكادُ يكونُ لها نهايةٌ!-:

ما قاله العلامة الإمام أبو المظفَّر السمعاني-المتوفى قبل نحو ألف سنة إلا خمسين عاماً-(489هـ)-في «تفسيره»-عند تفسير قول الله-تعالى-: «يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ . وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ»-قائلاً ما نصّه-:

«...وَفِي الْآيَة قَول آخر - وَهُوَ الْمَذْهَبُ -الْيَوْمَ- وَعَلِيهِ عَامَّة الْفُقَهَاء -: أَنه إِن كَانَ الْكفَّارُ أَكثرَ مِن مِثليهم «من المسلمين» : جَازَ الْفِرَارُ من الزَّحْف؛ لقَوْله: « الْآن خفّف الله عَنْكُم»، وَلقَوْله: «وَلَا تُلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة».

وَلَو صَبَرُوا: جَازَ؛ اللَّهُمَّ «إلاّ» أَن يَعلمُوا –قطعاً- أَنه لَا يُمكِنهُم مقاومتُهم؛ فَحِينَئِذٍ : لَا يجوز الصَّبْرُ؛ لِأَنَّهُ يكون إِلْقَاءً لنَفسِهِ فِي التَّهْلُكَة... ».

ومثلُه-سواءً بسواء- : كلامُ الإمام الأصوليّ عزّالدين ابن عبد السلام-المتوفّى بعد العلامة السمعانيّ بنحو مئتي سنة-(660هـ)-في كتابه«قواعد الأحكام في مصالح الأنام»-حيث قال-:

«انْهِزَامُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْكَافِرِينَ مَفْسَدَةٌ ؛ لَكِنَّهُ جَائِزٌ : إذَا زَادَ الْكَافِرُونَ عَلَى ضِعْفِ المسْلِمِينَ -مَعَ التَّقَارُبِ فِي الصِّفَاتِ- تَخْفِيفًا عَنْهُمْ -؛لِمَا فِي ذَلِكَ مِن المشَقَّةِ، وَدَفْعًا لِمَفْسَدَةِ غَلَبَةِ الْكَافِرِينَ-لِفَرْطِ كَثْرَتِهِمْ عَلَى المسْلِمِينَ-...».

والتجارِبُ الجهاديةُ(!)المعاصرةُ-جميعاً-على ما بُنيت عليه مِن زَغَلٍ وخَلَل!-:فإنها تُثبت مَزيداً من الصوابِ والتحقيق لهذا التأصيل الجليل-بعد كل تلكم الأعوام والقرون-؛حيث لم تُثمر تلكم المغامرات(!)-جميعاً-إلا استجلابَ الويلاتِ المتكاثرة على الشعوب! والمزيدَ مِن تشويه صورة الدين الإسلامي الحنيف في أنحاء العالم!!

فلا يُوجد مسلمٌ -حقٌّ- يُنكِر الجهاد الشرعي الحقَّ-بضوابطه الحقّة-؛حتى لا يُلَبِّسَ بعكس هذا التقرير الحقِّ المحضِ الجهلةُ المقلِّدون ! أو المموِّهون المدلّسون!!

* أما (البيعة !!) ؛ فهي شِنشِنةٌ نعرفها –بهذا الوضوح!- منذ أعلن شكري مصطفى المصري-قبل أكثر مِن ثلث قرن-قيامَ (جماعة المسلمين)،وأنه (أمير المؤمنين!) الذي تجب بيعته!

...إلى أن أُعدِم –في أواخر السبعينيّات-! ثم خَلَفه (أمير المؤمنين!) : (أبو الغوث محمد الأمين عبدالفتاح)، ثم-تالياً- (أمير المؤمنين!): (وحيد عثمان)-ولعلّه لا يزال!-!!

...ثم جاءت (جماعةُ طالبان)-في أفغانستان-،وأَعلنت (المُلا عمر!) أميراً للمؤمنين -أيضاً-وأظنُّه(!) باقياً-!!

وبين هؤلاء وأولئك : كان (تنظيم التوحيد والجهاد في بلاد الرافدين) قد أعلن (سنة 2007) عن قيام (الدولة الإسلامية)-في العراق!-والذي تورّط-ولا أقول:تطوّر!-إلى:(دولة العراق والشام)،ثم إلى (دولة الخلافة)-العامّة!-كما هو الحالُ-اليومَ-وهو موضوعُ مقالِنا-!

وأتى-غيرَ بعيد-(أميرُ المؤمنين)أبو عيسى القُرشي(!)الأردنيّ-في الباكستان- (بالعمامة السوداء! والجُبّة السوداء!)لِيُعلنَ الخلافةَ-كذلك-خارجاً مِن مظلّة (طالبان) –بعد تكفيره لها!وخروجِه عليها-!!

وها هي -اليوم- (جبهة النصرة)-وهي المؤيَّدة رسمياً من (تنظيم القاعدة)-تدندن من خلال وسائل إعلامها،وعدد من كبرائها-ولعله من باب جَسِّ النبض!-:بإعلان (إمارة إسلامية!!)في المناطق المحرَّرة(!)من سورِية-تسابقاً محموماً على الزعامة والرئاسة!-!!!

... وهكذا في سلسلةِ مُتتالياتٍ -مُتوالياتٍ- مِن (البيعات):بدأت... ولم تنته-ولعلّها ..لن تنتهي-!!

والأمرُ في هذه (البيعات!)-وتَناميها-خطيرٌ -جداً-:له آثارُه الواقعية الكبيرة ، وتَبِعاتُه الفعلية المريرة ؛ إذ ليس هو بحثاً نظريّاً محضاً حتى نقولَ:(حنانَيك بعض الشرّ أهون من بعض!)؛ بل هو شرٌّ خالصٌ –في ذاته- ! وذو آثارٍ نكراءَ في نتيجته!

ومِن خلال هذا الواقع المُعاش- المَوّاج بالفتن-:وقفنا على تحذير (أمير المؤمنين:أبو عيسى القرشي!)-المذكور آنفاً-وذلك قبل نحو سبعة أشهر- لأبي بكر البغدادي(أمير داعش: الدولة : الخلافة!)-الحاليّ-، ومطالبتَه إياه بمبايعته كخليفة!!مستدلاً عليه بحديث النبي : «مَنْ بَايَعَ إِمَامًا، فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ: فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ؛ فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ: فَاضْرِبُوا
رَقَبَةَ الآخَرِ»-وفي لفظٍ:«..فاقتلوا الآخِرَ منهم»-!!

فَمَن خليفةُ مَن؟! ومَن يقتل مَن؟!ومَن (سابقُ!)مَن؟!

...في سلسلةٍ أُخرى(!!)-متواصلةٍ-مِن دعاوى البيعات!فالخلافة!فالخلفاء!!! فالقتل..والتقتيل!-في عَبَث لامُتناهٍ بهذه الأُمّة!ودينها!وعقيدتها!-!

ومِن جهة ثانية -تاريخية- : فقد كانت البِذرةُ الأساسُ لأمثال هذه (البيعات)-غير الشرعية-بصورة أو بأخرى!-فكرةً متدحرجةً –قبل كل هذه السنين بسنين- مِن خلال أفكار أكثر الطرق الصوفية- ووقائعها -!مروراً بسائر الأحزاب والجماعات الإسلامية-كجماعة الإخوان المسلمين!وجماعة الدعوة والتبليغ-ولاءً وبراءً!وسمعاً وطاعةً!-مما لا يُنكر أصلَه قادةُ هذه
الجماعات وأتباعُها-أنفسُهم-!

ولْننظر –بعد هذه الجولة التاريخية- إلى ذلك الفقه العلمي الرشيد الذي يُؤصّله شيخُ الإسلام ابن تيميّة-رحمه الله-في حقيقة بيعة الخليفة الراشد الأول (أبي بكر ) الصدّيق، وحكمها،وكيفية ثبوتها له -رضي الله عنه- ؛قال-رحمه الله-:

«...وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ عُمَرَ -وَطَائِفَةً مَعَهُ- بَايَعُوهُ، وَامْتَنَعَ سَائِرُ الصَّحَابَةِ عَنِ الْبَيْعَةِ: لَمْ يَصِرْ إِمَامًا بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا صَارَ إِمَامًا بِمُبَايَعَةِ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ- الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الْقُدْرَةِ وَالشَّوْكَةِ-.

وَلِهَذَا لَمْ يَضُرَّ تَخَلُّفُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ «لَا» يَقْدَحُ فِي مَقْصُودِ الْوِلَايَةِ؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ حُصُولُ الْقُدْرَةِ وَالسُّلْطَانِ اللَّذَيْنِ بِهِمَا تَحْصُلُ مَصَالِحُ الْإِمَامَةِ...»...

ولْنتأمّل غُرَرَ ما حواه هذا النصُّ مِن فوائدَ فقهيةٍ نفيسةٍ –لا يزال يجهلُها الكثيرون!- تُناقض دعاوى ذوي البيعاتِ البدعية العصرية-رؤساءَ وأتباعاً-:مِن أنّ بيعةَ طائفةٍ مِن الأمة الإسلامية-قلّت أو كثُرت-دون جمهور الأمة:لا يُعتبَر-شرعاً- ،وأنّ ذلك-كذلك-لا يتحقّقُ إلا بـ (أهل الشوكة) ؛ ممّا لا يكونُ-أصلاً-إلا بحصول القدرة والسلطان ؛اللذَين بهما –لا غير-
تتحصَّلُ مصالحُ الإمامةِ.

...وهذه المفردات-كلُّها-جملةً وتفصيلاً-لم يتحقّق منها أدنى شيءٍ في أيٍّ من هذه البيعات العصرية المتوالية في (الخلافة والخلفاء)-وما سيتلوها مِن انشقاقات-ولا بدّ!-على مثلِ ما كان قبلَها مِن (بيعات)!!

وإنّنا لَنخوّف مَن كان تقيّاً -مِن ذوي (البيعات الباطلة)-تلك-جميعاً-ثم مَن اغترّ بهم!وانخدع بدعاويهم!وشتّت شملَ الأمة بصنائعهم!- :بما قاله الخليفةُ الراشدُ عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه-: «مَنْ بَايَعَ رَجُلا -عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ-؛ فَلا يُبَايَعُ هُوَ وَلا الَّذِى بَايَعَهُ- تَغِرَّةَ «حَذَراً» أَنْ يُقْتَلا-».

فالخلافةُ (الشرعيةُ) التي وَعد بها النبيّ العربيُّ القرشيُّ الهاشميُّ أُمّتَه –في آخِر الزمان- هي الخلافةُ على (منهاج النبوة)- وهو : «الشورى» -بمعناها المنضبط، وأصولها العلمية الحقّة-.

وأمّا ما سواها-ممّا ليس كذلك-: فلا يَعدو أن يكون (حُكماً) خاصاً جزئياً فئوياً ؛كسائر الجمهوريات ، أو الممالك ، أو الدول العصرية المتناثرة-المتكاثرة-،والتي هي-جميعاً-عند (الدواعش)-صورةً وحقيقةً-خارجةٌ عن الدين!وليست من الإسلام في شيء!

فكيف إذا أدركنا-على وجه اليقين-أنّ معنى (الخلافة) عند (داعش!)-وأتباعِها-لا يخرج عن حدودِ التصوُّر الشيعيِّ الرافضيّ -الباطل- للخلافة!وذلك قولُهم:(أنّ الإمامة مِن أصول الدين! وهي مناطٌ للتكفير والإيمان)!وكفى بهذا البلاءِ قُبحاً وسوءاً!

ويؤكِّدُ ما قدَّمتُ مِن المعالمِ الصائبةِ للمنهج الإسلامي الحقّ في (الإمامة):ما ورد في«كتاب السُّنَّة»- للإمام الخلّال-عن الإمام أحمدَ بن حنبل-رحمه الله-:أنه ُسئل عن حديثِ النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَن مات وليس له إمامٌ : مات مِيتةً جاهلية»؛ ما معناه؟

فقال: (تدري ما الإمامُ؟ الإمامُ الذي يُجمع المسلمون عليه ؛ كلُّهم يقول: هذا إمامٌ).

وأما (أبو بكر البغدادي) -وجماعتُه (داعش)-في بضعة آلافٍ من بُسطاءِ المسلمين المتحمّسين!العاطفيِّين!-على ما هو ظاهرٌ منهم!- : فقد أعلنوا (الخلافةَ)-الشاملة- على عموم الأمةِ-شرقاً وغرباً!طولاً وعرضاً-كأنما هم في سباق مع غيرهم!أو مع الزمن!!-ضربةَ لازبٍ !- ومِن غير أدنى رجوعٍ منهم لأيّ عالمٍ معتبرٍ في الأمة-وما أوفرَهم-ممّا يكشفُ حقيقةَ موقفهم
ممّن ليس منهم/ معهم= مِن العامّةِ أو العلماء-على حدٍّ سواء-!

إنّ (الشورى) الشرعيّة –النبوية- غيرُ التشرذم الفئوي ،والتسلُّط العصبيّ! ولا تكون (الخلافة) المعتبَرة إلا للأمة -جميعاً- ؛ لا للحزب!ولا للجماعة!!

ومِن أدنى -وأوضح- الشروط الفقهية لـ(الخلافة) المعتبَرة : معرفةُ أهل الحلّ والعَقد لـ (الخليفة)-الحقّ-شخصاً في ذاته، وحالاً في صفاته-،وهما مَعنيَانِ مفقودانِ-تماماً-في (أبي بكر البغداديّ)-هذا-!

وما أجلَّ كلامَ أستاذِنا العلامة الجليل محدِّث المدينة النبويّة المنوَّرة الشيخ عبد المحسن العبّاد البدر-نفع الله-فيما نقله عنه ولدُه الفاضل الأخ (الحسن بن عبد المحسن) -جواباً على سؤاله له عمّن بايعوا (أبا بكر البغداديّ)-قائلين:هو خليفة المسلمين!-؛فقال شيخُنا -حفظه الله-:(قد بايعوا الشيطان!)..

ويُعزّز صوابَ مجمَلِ ما قرّرناه-آنفاً- : ما تُدُووِل-قريباً –من كلامِ أبي محمد المقدسي-الذي هو –إلى أجلٍ قريبٍ!- ذو مكانة معتبَرةٍ ذاتِ شأنٍ عند أكثر الجهاديين (التكفيريّين!)-في بقاعٍ شتّى في العالَم-لاتفاقهم -جميعاً-حتى(داعش!)- في مجمل الأفكار والتوجُّهات!-: مِن وصفِه «المسؤولين الشرعيين» في (داعش) بـ : «التدليس واللفّ والدوَران والكذِب على
قادة المجاهدين»!وأنّ (داعش) «قد سفك الدماء المحرَّمة»!و«أنَّ الغُلُوَّ قد نَخَرَ في صفوف بعض(!)أفرادهم-بل وشرعيِّيهم-»! و«أن في صفوفهم خوارجَ»!!

ومثلُه-تماماً-ما انتشر واشتهر مِن قويّ الطعن والقدح.. الذي وجّهه أبو قتادة الفِلَسطينيّ-وهو مِن أشهر رؤوس الجهاديِّين-اليومَ!- لداعش ،وأفكارِها،وخلافتها،وخليفتِها-بما يأتلف-جداً-مع طعن المقدسيّ بهم، وقدحه فيهم-..

وليس خافياً على ذي بصرٍ أو بصيرةٍ : تلكم الوقائعُ الفظيعة ،والحوادثُ القبيحة –المنتشرةُ أخبارُها-بالتواتر-، وعلى صفحات الإنترنت- مِن التقتيل (الداعشيّ) –البارد الحاقد –بغير فقهٍ ولا رحمةٍ-لكلِّ (مسلمٍ) غايَر توجُّهَهم وناقَض حركتَهم- حتى لو كانت أفكارُه تلتقي أفكارَهم-كسائر أفراد «جبهة النُّصرة»-والحروبُ بينهما مستَعِرَةٌ !-؛فكيف الشأنُ-إذن-بمَن خالف اعتقادَهم-أساساً-! وردَّ غُلَواءهم-أصلاً-؟!

فبربِّكم: أين هاتيك الفظائع الشنائع-كُلّاً أو بعضاً-مِن هَدي ديننا الإسلاميّ العظيم، الرحيم، الذي يريد الخيرَ والهدى للناس-أجمعين-«وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ »؟!

وبعد:

فهذا كلُّه شيءٌ ، وبَغْيُ (الشيعة)- الشنيعة- على أهلنا –مِن أهل السُّنَّة – في العراق –: شيءٌ آخر...

وهو شأنٌ مخيفٌ يفوق الوصفَ ؛ مِن التنكيل بأهل السُّنَّة ،وتقتيلِهم، وتشريدِهم، وظلمِهم: مما يستدعي وقفةً حازمةً مِن أولياء أمور المسلمين-خاصةً-،وسائر إخوانهم المسلمين-عامةً-؛ يستنقذون بها البقيةَ الباقيةَ مِن أهل السُّنَّة -هنالك-؛الذين يكادون يَفْنَون ويَذوبون –ما بين تهجير! وتعذيب! وتقتيل!-!!

« وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ»،« وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ واللهُ وَلِيُّ المُتَّقِينَ . هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ»..

وتفريعاً على هذه النقطة-بما يكاد يكون تأصيلاً بحدّ ذاته- أقول-وبه أختم-وبكلِّ صراحة ووضوح-:

إنّ غيابَ المنظومةِ الموحَّدةِ التنسيقيّةِ الواعيةِ الأمينةِ الصادقةِ : (أولاً- بين دول منطقة بلاد الشام وما حولها)-تعاوناً على البِرِّ والتقوى –،و(ثانياً- بين العلماء والحكّام)-اعتصاماً بحبل الله-جميعاً-،و(ثالثاً- بين أهل السُّنَّة-بعضِهم مع بعضٍ-)-تَواصُيِاً بالحقّ والصبر والمرحمة- : ساهَمَ في ظهور(داعش)-ثمّ إعلانِهم خلافتَهم المزعومة!-،ولَعلّه -إن لم يَستدرك العقلاءُ
-وبسرعةٍ- ذلك الخطرَ الداهمَ مِن مبدئهِ!-؛فإنَّ تأخُّرَهم قد يُساهِم في ظهور غيرها-مما لا يُستَبعَد أن يكونَ أسوأَ منها-!!

وتَحَقُّقُ ذلك المعنى الإيجابيِّ -المأمول-كلّه- على أرض الواقع- : سيُؤدّي-باليقين-إلى تكامُلٍ مجتمَعيٍّ مُنتظِمٍ خلّاق يَقضي على كل صُوَرٍ التآكُل والتمزُّق والاختراق ؛ لِيكونَ -بعدُ- مآلُ أكثرِ أولئك المشكِّلين لهذه المجموعات الحزبيّةِ المنحرفة-بكافّةِ أسمائها وتنوُّعِ أشكالها !-: إمّا أن يَذوبوا ! أو أن (يتوبوا)..

و(توبتُهم)-والله- هي أغلىُ ما إليه نَسعَى معهم ، وأعلى ما نريد ونَبغي منهم ؛ فـ « أهلُ السُّنَّة أعرفُ الناس بالحقّ،وأرحمُهم بالخَلْق»..

 
جولة كيري .. وقراءة في خطاب تاريخي PDF طباعة أرسل إلى صديق

مركز الرأي للدراسات

اعداد : العين أسامة ملكاوي

شباط 2014

قد لا أكون مبالغا ان قلت، ان السياسة الأردنية الخارجية تتصف بالوضوح والالتزام والموضوعية والموثوقية، لذلك فقد استطاع الاردن أن يحافظ على علاقات موصولة مع كثير من الدول الكبرى، رغم مابين تلك الدول من تباين أو اختلاف، ومرد ذلك قناعة تلك الدول أن الموقف السياسي الأردني تحكمه قواعد موضوعية وأخلاقية وانسانية بالاعتبار الأول.

قد يؤثر على الموقف السياسي الأردني محددات بسبب الحجم والقوة الاقتصادية والبيئة الجيوسياسية، فهي تحد من خياراته السياسية وتضعف قدرته على التأثير، ولكن آثار هذه المحددات جميعا لاتدفعه الى مخالفة المبادئ الأساسية التي تحكم خياراته ومواقفه السياسية.

في أعقاب زيارة وزير خارجية الولايات المتحدة للأردن التي قام بها في ختام لقاءاته مع سياسيين من فلسطين واسرائيل، من أجل ابلاغ الأردن بالتطورات المتعلقة بالمفاوضات الجارية بين السلطة الوطنية الفلسطينية واسرائيل.تحاول جماعات وشخصيات ونشطاء سياسيون في الاردن استثمار تلك الزيارة لخلق شكوك لدى الشعب الاردني بالايهام بأن الدولة الأردنية، اما انها مقصرة في القيام بواجباتها لحماية مصالح الأردن والأردنيين، أو أنها متواطئة مع المتفاوضين لتوطين الفلسطينيين في الأردن والتنازل عن حق العودة للفلسطينيين، ويشارك في هذا الايهام سياسيون فلسطينيون لتبرير أي تقصير أو تساهل محتمل منهم في المفاوضات.

أعتقد أن الموقف الأردني السياسي، هو الأكثر وضوحا بين مواقف الدول العربية جميعا، وبالأخص فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فهو لا ولن يقبل أي حل لايرضى عنه الشعب الفلسطيني وممثله الشرعي والوحيد وهو منظمة التحرير الفلسطينية،المنظمة التي سعت وبمساندة غير محدودة من الدول العربية ومباركة من الشعب الفلسطيني نفسه، للحصول على صفة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، باعتبار ذلك هو السبيل الوحيد لتحقيق أحلام وآمال الشعب الفلسطيني في التحرير والعودة وانشاء الدولة الفلسطينية.

لقد قبل الأردن بقرار الجامعة العربية باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني سواء كان في الأرض المحتلة أو ( الشتات)، واستجاب لكل الطلبات التي رغبتها منظمة التحرير الفلسطينية بما في ذلك فك الارتباط بين المملكة الأردنية الهاشمية والضفة الغربية المحتلة، مع الاحتفاظ بالمسؤولية عن ادارة الأوقاف الدينية والمقدسات حيث ظل الأردن هو المشرف على ادارة هذه المقدسات والانفاق عليها وصيانتها.

وقد يكون من المناسب في هذا الصدد التذكير بأنه عندما دعت الحاجة الى صيانة قبة الصخرة المقدسة، وقف الأردن وحيدا بين موقف اسرائيلي متعنت بأن تتم الصيانة تحت اشرافه المباشر، وبين موقف عربي ( أقل ما يوصف به أنه متخاذل) يصر على أن تدويل الاشراف على الصيانة بحيث يتم تنفيذها بواسطة منظمة الىونسكو بالتنسيق مع الدولة المحتلة. وتخلى الجميع عن الاعمار مما اضطر جلالة المغفور له الحسين بن طلال أن ينفذ صيانة وتذهيب القبة المقدسة، بتمويل واشراف أردني، تفاديا لتدويل الاشراف على المقدسات الدينية. وهذا لم يمنع بعض الحمقى من تدمير اللوحة التي تسجل هذا الانجاز المجيد.

لقد حرص الأردن بقيادة جلالة المغفور له أن يضمن خطابه التاريخي في مؤتمر الرباط عام 1974 وقبل أن يتخذ المؤتمر قراره، بيانا يمكن وصفه بأنه جردة حساب لمواقف المملكة الأردنية الهاشمية تجاه عروبة فلسطين وحقوق شعبها، منذ أن وضعت الحرب العالمية أوزارها وحتى تاريخ ذلك الخطاب.

ان اعادة قراءة ذلك الخطاب واستذكار ذلك البيان بعد أربعين عاما عليه، شرط أخلاقي مسبق لكل من يتصدى للحديث عن القضية الفلسطينية، أو يحاول أن يرمي السياسة الأردنية الرسمية تجاه القضية على الأقل، بالتقصير أو التخاذل أو التهاون. لأن ذلك كفيل بأن يوجب عليه أن يعتذر من نفسه على سوء تقديره.

واستعرض لنفسي أولا مفاصل محددة من ذلك البيان والذي ورد فيه حول موقف الأردن من قرار 242 ما يلي:

لقد سلكت الحكومة الأردنية - كما تثبت الوثائق والمذكرات والأحاديث - مسلكاً سليماً في نظرتها إلى هذا القرار وفي تفسيره وفي أوجه تطبيقه وقام هذا المسلك على الأسس التالىة:

أولاً: إن انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة يجب أن يكون كاملاً وشاملاً ووحدة لا تتجزأ.

ثانياً: إن الخطوط التي يجب أن تنسحب إليها إسرائيل، وهي خطوط ما قبل الخامس من حزيران 1967 موضوع مستقل ومنفصل عن موضوع تعيين الحدود في التسوية النهائية، كما يتضح ذلك في نصوص القرار - 242 - وفي أي حال من الأحوال لا يمكن لهذه الحلول أن تكون في اتجاه الأراضي العربية لأنها إن كانت كذلك، فإنما تشكل خرقاً لمبدأ عدم مكافأة العدوان ومبدأ عدم اكتساب الأراضي بالقوة المسلحة.

وبناء على هذا، فقد كانت الحكومة الأردنية وممثلوها يرفضون على الدوام دعوى إسرائيل أنها غير مستعدة لأن تنسحب إلا إلى حدود آمنة ومعترف بها وخاضعة لموافقة الطرفين. كانت الحكومة الأردنية ترى أن الانسحاب الإسرائيلي عن سائر الأراضي العربية أمر يجب أن لا ينقضه أو ينقص منه أي أمر آخر. لأن احتلال إسرائيل للأراضي العربية بقوة السلاح يشكل عدواناً مسلحاً مستمراً لا بد من أن يزول قبل الاتفاق على أي موضوع آخر. وكانت الحكومة الأردنية تصر دائماً على وجوب أن تلتزم إسرائيل بهذا الانسحاب التام من أجل فتح الطريق أمام تنفيذ قرار مجلس الأمن المشار إليه.

ثالثاً: بالنسبة لموضوع حدود إسرائيل. لم يلزم الأردن نفسه بتعيين أية حدود لها، واعتبر أنه ليس من حقه، ولا من حق أية دولة أخرى، أن تعترف لإسرائيل بمنطقة تقع في نطاق القضية الفلسطينية والحقوق - الفلسطينية وهي ملك للشعب العربي الفلسطيني

رابعاً: بالنسبة لمواصفات السلام وشروطه مع إسرائيل. فإن الأردن يلتزم بسياسة عربية موحدة إزاء السلام وأبعاده.

خامساً: فيما يتعلق بالتسوية العادلة لقضية اللاجئين، ترى الحكومة الأردنية أن للاجئين حقوقاً سياسية ومدنية وإنسانية معترفاً بها، وأن عشرات القرارات والتقارير التي أصدرتها وما زالت تصدرها الأمم المتحدة والقوانين الدولية لتؤكد لهم هذه العدالة.

سادساً: وأما بالنسبة للحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني. فإن قرار مجلس الأمن رقم - 242 - لا يقيد من هذه الحقوق ولا يتنافي معها ولا يتعارض مع أي قرار سبق أن أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في القضية الفلسطينية. ولا يطغى على هذه الحقوق قبول دول المواجهة لقرار مجلس الأمن المشار إليه، لأن مطالبة هذه الدول بتأمين الانسحاب الإسرائيلي عن أراضيها المحتلة، لا يعني ممارستها حق التصرف بالأرض الفلسطينية. ولهذا كررت الحكومة الأردنية القول الذي أعلنته أنا عدة مرات بأن حق الشعب الفلسطيني وممثليه في عرض قضيته والدفاع عن مطالبه وحقوقه يتعدى نطاق ما تطالب به» المملكة الأردنية الهاشمية ونطاق مسؤولياتها

سابعاً: إن الطريقة القويمة لتنفيذ القرار 242 كما يراها الأردن، هي في اتباع ما يلي:

أولاً: أن تكون المحادثات لتنفيذ القرار مع الفريق العربي موحداً. وإذا حدث أن جرت المحادثات بشكل متفرق، فلا بد للأطراف العربية من الحفاظ على المشاورات فيما بينها والاتصالات وضمان التنسيق والتعاضد والتساند تلك المقومات الكفيلة بتأمين أفضل عرض للنجاح.

ثانياً: أن يبنى الموقف العربي تجاه تنفيذ القرار على أساس التنسيق بين الأطراف العربية على أساس التوازي في السير.

أما بشأن المشاركة الأردنية في مؤتمر جنيف عام 1974 فقد ورد في البيان مايلي:

عندما تقرر تأسيس مؤتمر جنيف من أجل السلام في الشرق الأوسط، وجهت حكومتا الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية والسكرتير العام للأمم المتحدة الدعوة إلى الحكومة الأردنية لحضور هذا المؤتمر والاشتراك في أعماله نظراً لكون الأردن دولة محتلاً جزء من أراضيها وطرفاً في القرار (242) وفي القرار (338) وفي محادثات السلام كلها.

ففي يوم 18 كانون الأول (ديسمبر) 1973 استقبل السكرتير العام للأمم المتحدة سفراء مصر وسوريا والأردن وإسرائيل وسلمهم كتباً إلى حكوماتهم بالدعوة إلى حضور مؤتمر جنيف، واشتملت دعوته على دعوة من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.

ونظرت الحكومة الأردنية في هذه الدعوة في ضوء اعتبارين هامين:

الاعتبار الأول: أن المنظمة الدولية ممثلة بالسكرتير العام وجهت الدعوة إلى الأردن لحضور هذا المؤتمر، وأن الدولتين الكبيرتين المترأستين لهذا المؤتمر وجهتا كذلك الدعوة إلينا.

الاعتبار الثاني: إن كتاب الدعوة نص على أن يبحث في الطور الأول موضوع إشراك أطراف أخرى في المؤتمر ورأت الحكومة الأردنية أن من الضروري أن تكون هذه الأطراف الأخرى الحكومة اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية.

وبناء على ما تقدم، وبعد الاتصالات والاستشارات التي أجريتها وحكومتي مع العواصم الشقيقة المعنية، أبلغ الأردن موافقته على حضور مؤتمر جنيف، فاشتركنا به مع مصر الشقيقة، نحن الاثنين وحدنا من الجانب العربي.

وعن محاولات اجهاض الجهود الأردنية لتحقيق تقدم في تنفيذ قرارات مجلس الأمن فقد ورد في البيان ما يلي:

غير أنني في الوقت الذي كنت فيه في واشنطن في الأسبوع الأول من آب الماضي وفي أول زيارة للرئيس الأميركي الجديد وأول لقاء عربي معه بعد تسلمه مهام الرئاسة ساعياً لدعم الموقف العربي ولإنجاح عملية فصل القوات كانت بعض التصريحات العربية تتبعني أو تسبقني تعلن معارضتها لعودة الإدارة الأردنية إلى الضفة الغربية أو إلى أي جزء منها يتم تحريره.

أما عن موقف المملكة الأردنية الهاشمية الرسمي والشعبي من عودة الادارة الأردنية الى الضفة الغربية فقد ورد في البيان ما يلي:

حول هذه النقطة، نقطة عودة الإدارة الأردنية إلى الضفة الغربية أو أي جزء منها يتم استرجاعه، أرجو أن أوضح أن الإدارة الأردنية في الضفة الغربية قائمة الىوم عملياً، فالجهاز الإداري في الضفة الغربية مرتبط ومتصل بالجهاز الإداري المركزي في عمان، والمحافظون والموظفون والقضاة، والأوقاف، والبلديات، والنقابات، والجوازات والتربية والتعليم، وغيرها، كل ذلك يتبع الحكومة المركزية في عمان، وتدفع الحكومة الأردنية كل ما يترتب على ذلك من رواتب ونفقات وقروض من موازنتها العامة. كل ما في الأمر أن الضفة الغربية يفصلها عن الضفة الشرقية الاحتلال الإسرائيلي وسلطاته العسكرية. فإذا أبعدنا الاحتلال عن جزء من تلك الأرض العزيزة، فإنا لا نكون أدخلنا إدارة أردنية جديدة.

وعن مسألة تمثيل الشعب الفلسطيني يضيف البيان، وينقلني هذا الحديث إلى مسألة تمثيل الشعب الفلسطيني.

إن هذه القضية، قضية تمثيل الشعب الفلسطيني، قد أدخلت على القضية العامة في غير أوانها. وحول هذه المسألة، أحب أن أذكر أننا لم نكن في يوم من الأيام ضد بناء الشخصية الفلسطينية أو ضد قيام التمثيل الفلسطيني المستقل.

كان الأردن في الأمم المتحدة وعلى مر السنين التي كانت تبحث فيها القضية الفلسطينية من زاوية اللاجئين الفلسطينيين يعلن وينادي بأن اللاجئين يمثلون شعباً له مقوماته القومية والسياسية والشرعية وله حقوقه في وطنه المغتصب وفي تقرير مصيره وكذلك كنا نؤكد بأن الهوية أو الجنسية المكتسبة لأي فلسطيني لا تعني أنه فقد حقاً من تلك الحقوق الثابتة المشروعة.

وفي مؤتمر القمة العربي الثاني في 11 سبتمبر 1964 الذي انعقد في الإسكندرية اشتركت المملكة الأردنية الهاشمية مع الدول العربية الشقيقة في القرار الذي اتخذه ملوك ورؤساء هذه الدول بالترحيب بقيام منظمة التحرير الفلسطينية واعتمادها ممثلة للشعب الفلسطيني في تحمل مسؤولية العمل لقضية فلسطين والنهوض بواجبها على الصعيدين العربي والقومي.

وفي عام 1965 كان من دواعي اعتزازي أني افتتحت أول اجتماع للمجلس الوطني الفلسطيني في القدس الشريف.

وفي البيان السياسي الشامل الذي ألقيته في الأول من أيار هذا العام أعلنت ما يلي: قلت:

(هناك نقطة كثر فيها الحديث في الآونة الأخيرة عن موقفنا من منظمة التحرير الفلسطينية. ولقد أوضحنا للقاصي والداني أن اعترافنا بمنظمة التحرير الفلسطينية قائم منذ أن قامت هذه المنظمة عام 1964 ونحن نرى أن تواجد وفدها في مؤتمر جنيف أمر طبيعي كي يبحث فيما يتعدى صلاحياتنا ومسؤولياتنا المحددة في نطاق قرار مجلس الأمن رقم (242) ويستطيع وفد المنظمة أن يطالب بالحقوق الشرعية لشعب فلسطين. تلك الحقوق التي نصت عليها قرارات الأمم المتحدة على مدى القضية الفلسطينية).

وفي البيان الأردني - المصري الذي صدر في الإسكندرية في 18 تموز (يوليو) 1974 على أثر المحادثات بيني وبين سيادة الأخ الرئيس محمد أنور السادات، ذكرنا أن السلام في منطقة الشرق الأوسط لا يقوم إلا بتأمين الحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني، ودعونا إلى التنسيق في العمل والإعداد بين مصر وسوريا والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية ووافقنا على ضرورة ظهور منظمة التحرير الفلسطينية بشكل مستقل في مؤتمر جنيف في المرحلة المناسبة. وفي غير هذا من المناسبات العديدة أكدت موقفي هذا.

وقد أعلن الأردن في ذلك المؤتمر موقفه في حال إصرار القادة العرب ومنظمة التحرير الفلسطينية على نقل مسؤولية العمل على رفع الاحتلال الاسرائيلي عن الأراضي الفلسطينية المحتلة وجعلها قضية خاصة بمنظمة التحرير الفلسطينية تساندها الدول العربية الأخرى فقد ورد في الخطاب مايلي:

لئن كان الأخوة العرب في هذا المؤتمر العالى يرون أن المملكة الأردنية الهاشمية ليست لها صفة شرعية في التكلم باسم الفلسطينيين الذين يعيشون في كنفها ويحملون جنسيتها، والذين أصبحوا جزءاً من مؤسساتها، ولا الدفاع عن حق هذا الشعب ولا مسؤولية العمل لاستعادة أرضه المغتصبة ورفع الاحتلال عنه وإزالة العدوان، وإذا كانوا يرون أن هذه الصفة الشرعية منحصرة في منظمة التحرير الفلسطينية وحدها. فإنني باسم المملكة الأردنية الهاشمية أحملهم وحدهم مسؤولية رأيهم وقرارهم وكل النتائج المترتبة عليه واعتبره إعفاء لنا من مسؤولياتنا السياسية الراهنة. ونترك الحكم على هذا القرار إن صدر للتاريخ... عند هذا أيها الأخوة يصبح من المحتم علينا أن ننسحب من الاشتراك في مؤتمر جنيف ومن كل عمل أو نشاط دبلوماسي أو دولي دخلنا فيه من جراء قبولنا لقرار مجلس الأمن رقم (242) وقرار مجلس الأمن رقم (338) وكل ما ترتب عنهما من واجبات ومسؤوليات. لأننا في الوضع المشار إليه نصبح في المؤتمر وفي المحادثات السياسية في موقع غير معترف به من قبل أشقائنا العرب. عند ذلك وعلى أية حال. فإننا باقون في موقعنا القومي من قضية فلسطين التي هي قضية الأمة العربية جمعاء.

وإذا حدث أن اتجه هذا المؤتمر إلى حصر التمثيل الشرعي للشعب الفلسطيني بمنظمة التحرير الفلسطينية وحدها وبالتالى إلى إنهاء دور الأردن المباشر بالعمل السياسي وبالمطالبة والمفاوضة رغم موقعه وحقوقه وجهوده ورغم تضحياته وما قدم لهذه القضية عبر التاريخ ورغم الواقع الذي يعيش فيه، فإن الأردن سيبقى على كل حال في مكانه القومي من أجل هذه القضية وفي سبيل عزتها وانتصارها، هذه القضية التي تحدر إليه شرف خدمتها جيلاً بعد جيل، وحقبة بعد حقبة، ومنذ الفتح العربي الأول وعلى مر العصور وحتى النهضة العربية الحديثة. وسيبقى صامداً مرابطاً على أطول الخطوط وأخطرها ينشق عبق الشهادة من روابي فلسطين ويسمع التكبير من مآذن المسجد الأقصى..

وإني على يقين من أن المسؤولية العظمى التي يتحملها كل منا في هذا المؤتمر العالى تدعو كلاً منها وتفرض علينا جميعاً أن نحدد مواقفنا بكل وضوح وأمانة وصراحة بما يرضي الله والضمير ويلبي نداء الأجيال. فلنتوجه إلى الله العلي القدير أن يلهمنا الحكمة والرشاد ويهدينا سواء السبيل.

(ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب). صدق الله العظيم.

لم يتنكر الأردن لهذه الثوابت بعد أن قرر العرب جميعا تحميل منظمة التحرير الفلسطينية، وانما ظل وفيا لهذه القضية. وعندما قررت منظمة التحرير الفلسطينية لاعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني اعلان دولة فلسطين بالجزائر عام 1988، كان لابد للأردن من أن يقرر فك الارتباط التزاما منه بمبادئه وتسليم المسؤولية السياسية عن الضفة الغربية إلى الممثل الوحيد للشعب الفلسطينيين بعد اعلانها إقامة الدولة في 31/ 7/ 1988، مع الاحتفاظ بمسؤوليته عن شؤون الأوقاف والمقدسات الاسلامية حتى لا تنتقل المسؤولية عنها إلى الاحتلال. وهكذا أصر الأردن على أن تتم صيانة قبة الصخرة على نفقة الهاشميين الشخصية حتى لا تنفذ بواسطة منظمة الىونسكو ويصبح اعمار المسجد والصخر مسؤولية دولية، ومع ذلك فثمة من بين مدعي الوطنية من أظهر احتجاجه على ذلك. كذلك فقد حرصت معاهدة وادي عربة بالرغم من كل الهجاء الذي تتعرض له على عدم التفريط أو التدخل في مساحة التفاوض بين منظمة التحرير الفلسطينية أو السلطة الفلسطينية.

كثير مما يمكن قوله في هذا الصدد، ولكن ما هو مؤكد أن السياسة الأردنية هي الأكثر وضوحا والأكثر حرصا على القضية الفلسطينية وعلى حقوق الشعب الفلسطيني، ولا مبرر لأي من العرب أو الفلسطينيين أو الأردنيين، أن يوحي بأن تنازل المفاوض الفلسطيني عن أي حق فلسطيني له علاقة بالسياسة الأردنية.

في البال أشياء كثيرة، ولكن... كفي.

 

 

 
دراسة تحليلية في التقنيات الصحفية والأخلاقيات المهنية للمواقع الإلكترونية للوزارات الأردنية PDF طباعة أرسل إلى صديق

مركز الرأي للدراسات

اعداد : محمد نواف الدويري

شباط 2014

جاءت هذه الدراسة للتعرف على واقع الإعلام في الأردن من خلال المواقع الإلكترونية للوزارات الأردنية. وذلك من خلال دراسة المواقع الإلكترونية لبرنامج الحكومة الإلكترونية، وكل من وزارات: الصحة، الداخلية، الخارجية، التربية والتعليم، العمل، التنمية الاجتماعية.

واعتمدت الدراسة على رصد المواقع الإلكترونية لمدة سبعة أيام متتالية خلال الفترة من الأحد 2/ 1/ 2011 إلى السبت 7 من ذات الشهر وذلك للتعرف على خصائص ومكونات هذه المواقع والإطلاع على كيفية تحديثها، إضافة إلى أهم المشاكل التي تواجهها وهل يتم التعامل معها.

واعتمدت الاستبانة كأداة للدراسة أيضا، حيث وزعت 500 استبانة لهذه الغاية.

وهدفت الإستبانة للتعرف على مدى متابعة المواطنين لمواقع الوزارات الإلكترونية، وما هي أبرز المواضيع التي يطالعونها، ورصد آرائهم بخدماتها وطريقة تحديثها، ومدى تقديمها لمختلف الخدمات لهم.

كما تم إجراء مقابلات ميدانية مع مدراء الإعلام والعلاقات العامة والناطقين الإعلاميين في الوزارات التي شكلت عينة الدراسة.

نظراً للتطور الكبير الذي شهدته إدارات الإعلام والعلاقات العامة في الوزارات الأردنية خلال العشرة سنوات الأخيرة، ودخولها إلى عالم الإعلام الإلكتروني، وذلك ببث أخبارها ونشاطاتها وخدماتها على المواقع الإلكترونية للوزارات، حيث تعتبر المواقع الإلكترونية أحد الأدوات الفاعلة التي تستخدمها أجهزة الإعلام في الوزارات للتواصل مع جماهيرها من المواطنين، كان لا بد من تناول هذه المواقع وتحليللها ومعرفة رأي الموطنين بها ومدى استفادتهم منها، اضافة الى التعرف على أهم المشكلات التي تواجهها. لذا جاءت هذه الدراسة للتعريف بما يلي:

- التعريف بأهمية الإعلام الإداري الإلكتروني كمفهوم متطور للإعلام الحكومي، إضافة إلى بيان مدى أهميته في بيان خطط الحكومة والوزارات، وعرض خدماتها أمام المواطن وتعريفه بكافة المعاملات الحكومية التي يريدها عبر المواقع الإلكترونية للوزارات.

- بيان أهمية الإعلام الإلكتروني للوزارات الأردنية. وكيفية توظيفه في خدمة أهداف الوزارة ومنهجية عملها بما يحقق لها النجاح والفائدة للمواطنين، وكيف يكون إعلاماً تنموياً هادفاً ينقل المعلومة الصحيحة والدقيقة.

- التعرف على أهمية تحديث المواقع الإلكترونية للوزارات خاصة الوزارات التي ترتبط بقطاع واسع من المواطنين. اضافة الى معرفة اتجاهات المواطنين وآرائهم فيما يخص المواقع الإلكترونية للوزارات.

- التعرف على أهم عيوب هذه المواقع والمشاكل التي تعترضها. والخروج بتوصيات تسهم في تفعيل هذه المواقع وتجاوزها لبعض الأخطاء التي تتكرر عليها.

لذا تتلخص مشكلة الدراسة فيما يلي:

- ما مدى نجاح الإعلام الإداري عبر المواقع الإلكترونية للوزارات الأردنية في تفعيل الاتصال بين الحكومة والمواطن.

تساؤلات الدراسة

هدفت الدراسة للإجابة على مجموعة التساؤلات التالية:

1- إلى أي مدى يطالع المواطنين المواقع الإلكترونية للوزارات؟

2- إلى أي مدى إعلام الوزارات على المواقع الإلكترونية قادر على التواصل بشكل فاعل مع المواطنين؟

3- إلى أي مدى يتم تحديث المواقع الإلكترونية للوزارات الأردنية بالأخبار والمعلومات بشكل متواصل وسريع ليبقى المواطن على إطلاع بما هو جديد؟

4- ما أبرز الصعوبات التي يواجهها الإعلام الإداري في الوزارات عبر المواقع الإلكترونية؟

5- إلى أي مدى يلجأ المواطنون إلى مواقع الوزارات الإلكترونية عند حاجتهم لأي معلومات عن وزارة معينة؟

6- من يدير المواقع الإلكترونية في الوزارات؟

7- ماهي الأشكال الصحفية التي يكتب بها موظفو الإعلام بالوزارات؟

وتوصلت الدراسة إلى أنّ أغلب الأنماط الصحفية التي تستخدمها الوزارات هي الخبر الصحفي وأن أخبار الوزارات على مواقعها الإلكترونية تركز في الغالب على أنشطة الوزارة وأخبار مديرياتها المختلفة. ومن خلال رصد المواقع الإلكترونية للوزارات تبين أن مواقعها عبارة عن قوالب ثابتة لا يتغير بها أي شيء سوى بعض الأخبار التي يتم تحديثها حسب نشاط الوزارة.
كما تبين من خلال الرصد أن موقع وزارة التربية والتعليم يحتوي على معلومات كافية عن الوزارة كما أنه موقع تفاعلي، له عدد كبير من الزوار، كما تم رصد عدد كبير من شكاوى المواطنين ما يدل على أن هناك نسبة كبيرة من المواطنين تزور الموقع وتتفاعل مع القضايا التي يطرحها.

وتوصلت الدراسة إلى أن 44 % من أفراد العينة يطالعون مواقع الوزارات الإلكترونية بشكل متفاوت وحسب الحاجة التي تستدعي ذلك، 41 % من العينة لا يطالعونها إطلاقاً و15 % يطالعونها بشكل مؤكد ودائم، كما أنّ 59 % من أفراد العينة الذين لا يطالعون مواقع الوزارات اطلاقاً يلجأون للصحف للحصول على أخبار الوزرات وخدماتها، 27 % من الأصدقاء، 9 % غير ذلك، 5 % الذهاب للوزارة، كما أن 49 % من أفراد العينة يعودون لمواقع الوزارات الأردنية عند حاجتهم للمعلومات حول هذه الوزارات وخدماتها بشكل دائم، 46 % بشكل متفاوت، 5 % لا، كما أنّ 54 % من أفراد العينة وافق على أن أخبار الوزارات تجعلهم على صلة بما هو جديد من أخبارها.
نتائج الدراسة:

1- توصلت الدراسة إلى أن 58 % من العينة مستخدمين للانترنت بينما شكلت نسبة الذي يستخدمون الإنترنت بشكل متفاوت (أي أحياناً) 36 %.
2- أبرز المواضيع التي يطالعها أفراد العينة لدى استخدامهم للإنترنت هي: 41 % يطالعون المواضيع الإخبارية، و33 % يطالعون المواضيع الإجتماعية، و17 % يطالعون مواضيع أخرى، مثل: مواضيع فنية، رياضية، سياسية، جميع الخيارات السابقة، مواضيع متنوعة، حسب الحاجة، الاقتصادية بنسبة 7 %.

3- أما فيما يتعلق بطبيعة قراءة أفراد العينة للمواضيع التي يطالعونها، يتضح أن 52 % يطالعون جزء من الموضوع، و16 % منهم يقرأون العنوان فقط، و27 % يطالعون الموضوع كاملاً، بينما 5 % كانت إجاباتهم غير ذلك. مثل: العنوان وجزء من الموضوع.

4- وبالنسبة لمطالعة أفراد العينة لمواقع الوزارات الأردنية، يتضح أن 44 % من أفراد العينة يطالعون مواقع الوزارات بشكل متفاوت (أحياناً). و41% لا يطالعونها، و15 % يطالعونها.

5- يطالع أفراد العينة مواقع الوزارات التالية: 35% يطالعون موقع وزارة التربية، و28 % موقع برنامج الحكومة الإلكترونية، و14 % غير ذلك، مثل مواقع أخبارية تفاعلية، موقع ديوان الخدمة المدنية، موقع وزارة الصناعة، موقع عمون، موقع دائرة الإحصاءات العامة، موقع رئاسة الوزراء، و7 % يطالعون موقع وزارة الصحة، و6 % يطالعون موقع وزارة العمل، و4 % يطالعون موقع وزارة الخارجية، و3 % موقع وزارة التنمية الإجتماعية، 3 % يطالعون موقع وزارة الداخلية.

6- أما أفراد العينة الذين لا يطالعون مواقع الوزارات تبين أن 59 % منهم يلجأون للحصول على أخبار الوزارات من الصحف، فيما يحصل 27 % من الأصدقاء، و9 % أجابوا غير ذلك،و5 % من الوزارة نفسها.

7- بينما يتبن أن أسباب مطالعة أفراد العينة لمواقع الوزارات، يتضح أن 53 % لمتابعة الأخبار، و35 % يتابعونها لأجل الحصول على المعلومات، و10 للإطلاع على الخدمات، و2 % أجابوا بغير ذلك، جميع ما ذكر، طلب ايصال خدمة.

8- وفيما يتعلق بعودة أفراد العينة لمواقع الوزارات عند الحاجة للمعلومات، تبين أن 49 % منهم يعودون، و46 % أحياناً، و5 % لا يعودون.

9- أما رأي أفراد العينة بمدى قدرة أخبار الوزارات على مواقعها الإلكترونية بأن تجعلهم على صلة دائمة بما هو جديد من أخبار الوزارة، وافق 54 % ذلك، فيما أجاب 22 % محايد، ووافق 14 % منهم بشدة ، غير موافق بشدة 4 %، و6 % غير موافق.

10- أجاب 7 % موافق بشدة من أفراد العينة على أن أخبار الوزارات على مواقعها الإلكترونية تهتم بالأشخاص أو مضمون الخبر، و35 % موافق، و36 % محايد، و65 % غير موافق بشدة، و16 % غير موافق.

11- أما رأي أفراد العينة بمدى تحديث الوزارات الأردنية لأخبارها على المواقع الإلكترونية التابعة لها، رأى 20 % من العينة أن الوزارات تحدثها بشكل يومي، و27 % بشكل أسبوعي، و26 % بشكل شهري، و27 % أجابو بغير ذلك، مثل لا أعرف، سنوي، اهتم بذلك.

12- أما رأي أفراد العينة حول إعلام الوزارات الإلكتروني بأنه إعلام ترويجي تسويقي أكثر من أنه خدماتي تقني، أجاب 10 % موافق بشدة، و34 % موافق، و36 % محايد، و5 % غير موافق بشدة، و5 % غير موافق.

13- ركز موقع الحكومة الإلكترونية في أغلب أخباره على أخبار الإتفاقيات تلاها الإعلانات، أخبار الافتتاح، ونشاطات الحكومة والوزارت. بينما ركز موقع وزارة الصحة بالدرجة الأولى على أخبار الاستقبال بنسبة 45 %.

أما موقع وزارة التربية فركز على أخبار الوزارة بالدرجة الأولى وبنسبة 50 %، بينما ركز موقع وزارة العمل على أخبار الاتفاقيات والافتتاح وبنسبة 23 %، تلاها وزارة التنمية الاجتماعية التي ركزت أخبارها على أخبار الوزارة ذاتها بنسبة 34 %، أما وزارة الداخلية ركزت أخبارها على الإرشادات بنسبة 60 %، أما وزارة الخارجية فكانت اهتمامات أخبارها على مواضيع أخرى غير المذكورة في القائمة وكانت أغلب الأخبار التي تم تحليلها أخبار جلالة الملك.

14- جاءت أخبار الحكومة الإلكترونية معظمها على الصفحة الرئيسية بنسبة 100 %، ووزارة الصحة 50 % على الرئيسية و50 % على الصفحات الداخلية، بينما جاءت وزارة التربية والتعليم بنسبة 90 % على الصفحة الرئيسية، ووزارة العمل بنسبة 54 % على الصفحات الداخلية، بينما جاءت أخبار وزارة التنمية بنسبة 100 % على الصفحات الداخلية، وجاءت أخبار وزارة الداخلية بنسبة 60% على الصفحة الرئيسية، و أخبار وزارة الخارجية بنسبة 100 % على الصفحة الرئيسية للموقع.

3- أخبار الحكومة الإلكترونية 67 % منها جاء على مساحة متوسطة، الصحة 6 % مساحة متوسطة، التربية 70 % متوسطة، العمل 69 % متوسطة، التنمية 40 % متوسطة و 40 % كبيرة، الداخلية 100 % متوسطة، الخارجية 86 % متوسطة.

15- بالنسبة للأنماط الصحفية الأكثر استخداماً، تبين أن موقع الحكومة استخدم الأخبار بنسبة 100 %، الصحة أخبار بنسبة 100 %، التربية أخبار بنسبة 100 %، العمل أخبار بنسبة 85 %، التنمية أخبار بنسبة 40 %، الداخلية فئة أخرى بنسبة 80 %، الخارجية أخبار بنسبة 100 %.

16- 100 % من أخبار الحكومة الإلكترونية كانت نقل عن وسائل الإعلام، الصحة 100 % عن دائرة العلاقات العامة في الوزارة، التربية 80 % نقل عن وسائل إعلام، العمل 92 % عن دائرة العلاقات العامة في الوزارة، التنمية 60 % غير محدد، بينما الداخلية 80 % عن دائرة الإعلام في الوزارة، والخارجية 100 % عن وسائل إعلام.
17- أغلب أخبار الوزارات كانت مصادرها مختلطة بالنسبة للأخبار، أي وجد الخبر الواحد فيه تصريح للوزير ولمسؤول في الوزارة ولمواطن وغير ذلك.

18- أما بالنسبة للعناوين فإن الحكومة الإلكترونية 89 % من عناوينها كانت بحجم متوسط، الصحة 60 % متوسط، التربية 80 % متوسط، العمل 100 % متوسط، التنمية 70 % متوسط، الداخلية 100 % متوسط، الخارجية 100 % متوسط.

19- وبالنسبة لاستخدام الوزارات للصور والرسومات مع الأخبار التي تنشرها الوزارات على مواقعها الإلكترونية، يتضح أن الحكومة الإلكترونية 78 % تستخدم، الصحة 100 % لا تستخدم/ التربية 90 % تستخدم، العمل 61 % لا يستخدم، التنمية 90 % لا يستخدم. الداخلية، 100 لا يستخدم، الخارجية 100 % لا يستخدم.

20- تبين أن الوزارات التي تستخدم الصور بنسب كبيرة في فئة استخدام الصور تستخدم الألوان بنسب كبيرة أيضا، وهذا شيء طبيعي نظراً للميزات الإنترنت حيث أنه يتيح استخدام الصور الملونة دون أي تكلفة.

توصيات الدراسة

توصي الدراسة بما يلي:

1- تحديث الوزارات لمواقعها الإلكترونية ومدها بالأخبار بشكل يومي لتعطيها الشكل التفاعلي.

2- التركيز على الكتابة الإخبارية بمختلف صنوف وأشكال الكتابة الصحفية من خبر وتحقيق ومقال وتقرير وكاركتير.

3- قيام الوزارات بمسوح شاملة لمعرفة آراء الجماهير بالخدمة التي تقدمها الوزارات من خلال مواقعها الإلكترونية.

4- تبني سياسة إعلامية عبر موقع الحكومة الإلكترونية تهتم بالأخبار دون عرض شريط أخبار وكالة الأنباء الأردنية فقط.

5- إنشاء أقسام خاصة بالوزارات تتولى إدارة الموقع الإلكتروني، بحيث تتكون هذه الأقسام من موظفين تقنيين وإعلاميين متخصصين ليتمكنوا من إدارة الموقع بالشكل والمضمون المرادين.

6- وضع ميثاق شرف أخلاقي للعاملين في إعلام المواقع الإلكترونية بالوزارات يحدد هذا الميثاق أسس المهنة ويضع معاييرها الأخلاقية.

 

 

 
اشاعة ثقافة »الحاكمية« يساعد على الارتقاء بأداء الجامعات PDF طباعة أرسل إلى صديق

مركز الرأي للدراسات

اعداد :أ.د. ماهر لطفي سليم

كانون ثاني 2014

مقدمة

يعد موضوع الحاكمية (Governance) من الموضوعات الحديثة نسبيا، إذ بدأ استخدام هذا المصطلح بشكل واسع في الشركات بدايةً التسعينات من العقد الماضي وبالتحديد عام (1972)، وجاءت الحاكمية آنذاك لسد الفجوة التي يمكن أن تحدث بين مديري الشركات من جراء الممارسات السلبية التي يمكن أن تضر بالشركات وبالصناعة.
وقد انتقل هذا المفهوم إلى الجامعات عام 1983 ليعبر عن الأزمة الحقيقية التي تمر بها الجامعات والحلول المقترحة لها، تلك الأزمة التي تتمثل في أن هناك إدارات جامعية وضعتها السلطة التنفيذية فوق الطلبة وأعضاء هيئة التدريس، لتكون مهمتها اتخاذ القرارات المتعلقة بشؤون هؤلاء، دون أن يكون لأي منهم (الطلبة، أعضاء هيئة التدريس) رأي حول مناقشة هذه القرارات أو الاعتراض عليها. وهو ما يضعف تطور الجامعة بوصفها المؤسسة الأكاديمية المفترض فيها إعادة صياغة التوجهات الثقافية والعرفية والعلمية للمجتمع، بسبب وضع القرار في يد طرف واحد من أطراف المؤسسة الجامعية، ووضع باقي الأطراف من الطلبة وأعضاء هيئة التدريس في وضع المٌلتقي لهذه القرارات والملتزم بتنفيذها دون مناقشة. فعلى سبيل المثال تؤخذ القرارات المتعلقة بالمناهج التعليمية دون أن يكون للطلبة حق المشاركة في صياغة خطط هذه المناهج والهدف منها، وكذلك الاتحادات والأسر الطلابية باعتبارها كيانات الهدف منها تدريب الطلبة على المشاركة في الحياة العامة وتعزيز قيم الديمقراطية واحترام الآخرين.

إنّ النهوض بالتعليم الجامعي يتطلّب منظومة متكاملة للحاكميّة الجامعيّة، تشمل جميع قيادات اتخاذ القرارات ومصادره. لذا، تُعد حاكميّة الجامعات مفتاح بلوغ التعليم العالي لأعلى المستويات قيمة ومضموناً. ويقتضي النهوض بوظائف الجامعة (التدريس، البحث العلمي، خدمة المجتمع) تطوّر الحاكميّة والأداء المؤسسي فيها بما يضمن الشفافيّة، والمساءلة، والمشاركة المؤسّسية لجميع الأطراف، وفق المرجعيّة التشريعيّة الناظمة للعمل، بحيث تسير القرارات الأكاديميّة الجامعيّة حسب الأصول العلميّة في مجالس حاكميّة الجامعة، كما أن ما تُعانيه بعض الجامعات من ضعف في الحاكميّة بسبب تعدّد الجهات الرقابيّة وجهات التدخّل، والعلاقات الشخصيّة يؤدي إلى عدم احترام توصيات مجالس الحوكمة فيها وقراراتها، وبذلك تضيع هذه الجامعات بين المزاجيّة وسرعة التغيّرات، وينعدم العمل المؤسّسي والأصول الأكاديميّة فيها.
وتأسيساً على ما سبق، نجد أن الجامعات العربيّة تحتاج إلى إدراك أهميّة تبنّيها معايير الحاكميّة، والغرض الذي من أجله تم إنشاء هذه الجامعات ودورها في عمليّة التنمية والمساهمة في التحوّل إلى الاقتصاد المعرفي وعالم المعلوماتيّة، وعلى وزارات التعليم العالي والبحث العلمي العربيّة وضع وثيقة في شكل قواعد ملزمة أو استرشادية تستلهم منها الجامعات مسؤولياتها ذات العلاقة بالحاكمية. إن مثل هذه الوثيقة ستشكّل خريطة طريق للجامعات، وعلى الجامعات القيام بعمليّة إصلاح لنظامها الإداري وتبنّي هياكل تنظيميّة أكثر كفاءة وأكثر عصريّة.
 وبذلك فإنّ إرساء قواعد الحاكميّة في إدارة شؤون الجامعات يحتاج إلى إدارة التغيير أكثر من التغيير نفسه، لأن كثيراً من المتطلّبات ليست بحاجة إلى تعديل التشريعات القانونيّة، وإنّما إلى تفعيل ما هو موجود وتطبيقها بشفافية ضمن سياسة تعظيم الانجاز، وتوسيع أبواب المساءلة ومراقبة الأداء في الإصلاح الحقيقي للتعليم الجامعي وتطويره بمنهج إدارة حكيمة تكون الواقعيّة أساس مقوماته، والرؤية المستقبليّة من أهم مستلزماته.
 وإنّ تبنّي نظام الحاكميّة في الجامعات يتطلّب وجود تعدّدية وشمولية واضحة في أنماط الحاكميّة، إضافة إلى المشاركة الواسعة لأصحاب المصالح عند مستوى القرارات الاستراتيجية وتخصيص الموارد، ووجود آليات رقابية بين أصحاب المصالح تمكّنهم من التعامل مع الإدارة التنفيذيّة وتوجيه سلوكهم، هذا من جانب، ومن جانب آخر لابد من وجود رقابة داخليّة مشكّلة من مجلس الحاكميّة وتقدّم تقريرها عن مدى الالتزام بالأنظمة والتعليمات، ومدى كفاية وكفاءة نظام الرقابة الداخلي بالجامعة.   
لذا، يمكن القول بأن حاكميّة الجامعات هي منظومة متكاملة مكوّنة من مجموعة من العناصر البشريّة والماديّة المتكاملة والمتفاعلة التي تخلق الانسجام والتوازن داخل الجامعة، إذ يُسبّب فقدانها خللاً كبيراً في عمليّات الجامعة، ومن ثم مخرجاتها .

وبعامة، لتطبيق الحاكمية في الجامعة أهمية بارزة في عالمنا المعاصر وفي عصر الحكمة القادم، إذ أن تطبيقها يعمل على تعظيم قيمة الجامعة وقدرتها التنافسية وبخاصة في مجال مخرجاتها ووضعها الاقليمي والعالمي، وبذلك فهي تعمل على تحديد الاتجاه الاستراتيجي للجامعة عن طريق اتخاذ القرارات الاستراتيجية الصائبة للمحافظة على الموارد والمكاسب المادية والمعنوية للجامعة، وبذلك يخلق تطبيق الحاكميّة مناخاً جيداً للعمل الجماعي الذي يسعى لبلوغ غايات محددة، وهي موجهة للاستخدام الأمثل لموارد الجامعة وتعزيز المساءلة، كما وأن حُسن توزيع المهمات والخدمات وإدارتها، وتطبيقها، يخفف من أوجه الاختلاف في الجامعة ويزيد من حالات الاندماج والتفاعل بين أصحاب المصالح، وبذلك تكمن أهمية الحاكمية في أنها منظومة شاملة إذا ما استثمرت في الجامعات وفق منهج علمي منظم، فإن ذلك يكسبها القدرة على التكيف مع متغيرات البيئتين الداخلية والخارجية. وتقليل وجهات النظر المختلفة وزيادة الإندماج مع أصحاب المصالح بما يسهم في تحقيق الميزة التنافسية في جودة مخرجاتها المادية والمعنوية وفي سمعتها الأكاديمية والعلميّة المحلية والاقليمية والدولية، ومدى حصولها على الاعتماد العالمي.

وبناءً على ذلك فإن الحاكمية ليست مجرد إدارة شاملة للجامعة بل هي أوسع نطاقاً وأعم مفهوماً، فهي منظومة متكاملة تتمثّل في مجموعة التشريعات التي تهدف إلى تحقيق جودة العمليات والمخرجات، والإدارتين الأكاديمية والإداريّة وغيرهما، وذلك من خلال اختيار الاستراتيجيات المناسبة لتحقيق غايات الجامعة، وهي أيضاً مجموعة متكاملة من العناصر البشريّة والماديّة المتكاملة والمتفاعلة التي توجد الانسجام والتوازن داخل الجامعة، إذ يسبب فقدانها خللاً كبيراً في عمليات الجامعة، ومن ثم في مخرجاتها.
وتأسيساً على ما سبق، أصبحت الحاكمية مسألة بالغة الأهمية في مجال التعليم العالي الذي واجه ويواجه تغييرات جذرية خلال العقود الأخيرة، منها:

-تزداد الضغوط على مؤسسات التعليم العالي من تنامي الطلب الاجتماعي على التعليم العالي والمرتبطة بزيادة النمو السكاني، وخاصة مع عدم إمكانية تلبية هذا الطلب لجميع المتقدمين نتيجة للطاقة الاستيعابية المحدودة للجامعات.

-ظهور برامج جديدة من التعليم قدمت من المؤسسات التعليمية المختلفة سواءً الحكومية أو الخاصة.

إضافةً إلى أنماط جديدة من التعليم كالتعليم الإلكتروني والتعلم المدمج والتعليم عن بعد.

-ضعف البنى البحثية وقلة فرص البحث العلمي. والذي يتخذ عدة أشكال منها التوسع في البرامج ( ولا سيما الدراسات العليا) التي تقل متطلباتها البحثية من مختبرات وكوادر إضافةً إلى ضعف ثقافة البحث العلمي لدى مؤسسات القطاع العام والخاص، وضعف الصلة بين المشاريع البحثية الجارية في الجامعات وخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وقضايا القطاعات الانتاجية.
-إنَّ التصنيف العالمي زاد من الضغوط من أجل تطبيق الحاكمية في الجامعات. فالتصنيف العالمي لكبارالجامعات يرتبط بثلاثة عوامل متصلة هي: تركيز الموهبة، وتوفر التمويل والحاكمية. إن الاستقلالية التي تسمح للمؤسسات بإدارة مواردها الخاصة بها باقتدار، وعلى القدرة لاستجابة بسرعة لمتطلبات السوق العالمية المتغيرة، ولكن هذه العوامل ليست كافية للترشيح والحفاظ على الجامعات ضمن التصنيف العالمي. بل هناك حاجة إلى غيرها من السمات الحاسمة للحاكمية. مثل القادة الملهمين، والرؤية الاستراتيجية القوية للاتجاه المؤسسي، وفلسفة النجاح والتميز، والتطوير والتغيير التنظيمي.
 وأمام كل هذه التحديات تشكل حاكمية الجامعات دافعاً لإحداث التغيير ومواجهة التحديات، إذا أنّ كيفية إدارة المؤسسات هي من بين العوامل الأكثر حسماً في تحقيق أهدافها.

لذا أصبحت حاكمية الجامعات عنصراً حيوياً من شأنها أن تسمح للقائمين على تلك المؤسسات بتصميم وتنفيذ ورصد وتقييم كفاءة وفاعلية الأداء.

مبادئ الحاكمية

تقوم الحاكمية على ثلاثة مبادئ هي :

-الشفافية، وتعني تصميم النظم والآليات والسياسات والتشريعات وتطبيقها، وتُعد من المعايير العالمية المهمّة في تصنيف الدول وترتيبها وحتى الجامعات ، إذ أنها آلية لقياس درجة تطبيق الحاكمية في المجتمع، وهي تجيز للأفراد الحصول على المعرفة والمعلومات المتعلقة بالحاكمية بحيث تمكّنهم من اتخاذ القرارات ذات التأثير المشترك . وتعني الشفافية الوضوح لما يجري ويدور داخل الجامعة، مع سهولة تدفق المعلومات الدقيقة والموضوعية وسهولة استخدامها وتطبيقها فعلاً من قِبل العاملين في الجامعة. إن هذا الوضوح يعني أن طلبة الجامعات يستطيعون وبكل سهولة الإفصاح لقيادة الجامعة عما يدور بخلدهم وعن مشكلاتهم واحتياجاتهم، مما يولّد حواراً منتجاً ما بين قيادات الجامعة والطلبة. وتشكل اللقاءات المفتوحة تحدياً لتفكير الطلبة وتحفّزهم على المشاركة وتسهم في تغطية قيم الحوار والتواصل البنّاء ما بين قيادات الجامعة وطلبتها .

-المشاركة، وهي إتاحة مجالس الحاكميّة للهيئتين الأكاديمية والإداريّة، والطلبة، والمجتمع، المشاركة في رسم السياسات، ووضع قواعد العمل في مختلف مجالات الحياة الجامعيّة ، وإتاحة الفرص لطلبة الجامعة أن يكون لهم دور في عملية صنع القرار ، ولابد الحاكمية الجيدة أن تحتوي على كل مضامين المشاركة لمساندة قيادة الجامعة ومجالس الحاكميّة فيها كأنموذج في تطبيق سياسات الجامعة.

-المُساءلة، وتعني تمكين ذوي العلاقة من الأفراد داخل الجامعة وخارجها من مراقبة العمل دون أن يؤدي ذلك إلى تعطيل العمل أو الإساءة إلى الآخرين ، فضلاً عن تطبيق الأنظمة والتعليمات بكل شفافية على جميع العاملين في الجامعة وعلى طلبتها ، وتُعد المُساءلة الوجه الآخر للقيادة، ودونها تكون القيادة دكتاتورية ، وهي التزام يُلزم الآخرين بالمحاسبة أو الإجابة عن المسؤولية التي تسند إليهم .

مجالات الحاكميّة

‫أكّدت العديد من الدراسات أن مجالات الحاكميّة في الجامعات متنوعة ومختلفة ، ولكنها مرتبطة بحلقات سلسلة واحدة، تجمع بين كل منها لتؤثر في الآخر وتتأثّر به، وتعمل على تحقيق اهدافها جميعها وهي :

المجال الأول: تأسيس فكرة الالتزام وثقافته: إذ تقوم فلسفة الحاكمية على إثراء فكرة الالتزام واخصاب ثقافته، وهو فكر ارتقائي بنائي، قائم على تأسيس المضمون التعليمي والأخلاقي واسع المدى .

المجال الثاني: تحقيق المصداقية وزيادة عناصر الثقة: إذ أن تحقيق المصداقيّة وزيادة الثقة في البيانات والمعلومات التي يتم نشرها عن الجامعة، وما تتضمنه تقارير، وايضاح ما يحدث ويتم فيها تُعد من أهم مجالات الحاكميّة وتنعكس إيجابياً على عمليات الجامعة ومخرجاتها .

المجال الثالث: تحسين الشفافية وتحقيق الوضوح: إذ تستخدم الحاكمية كأداة تنوير واستنارة وإلقاء الضوء على الجوانب المختلفة القائمة بالجامعة، وبالتالي التقليل من الضبابية، وعدم الوضوح، واللبس، والظلمة. وكلما كانت الحاكمية قوية كانت أكثر فاعلية، كونها تحسن من درجة الشفافية والوضوح .

المجال الرابع: توفير عناصر الجذب الاستثماري المحلي والدولي: إن الحاكمية ليست هدفاً بذاتها ولكنها وسيلة للوصول إلى تحقيق أهداف متعددة تتعلق بالجامعة واستراتيجيتها .

المجال الخامس: تحقيق العدالة وتطبيق مبدأ (على قدم المساواة): إذ تقوم الحاكمية في هذا المجال على تهيئة الفرص المتاحة للجميع وعلى تطبيق هذا المبدأ مما يزيد من الشعور بالعدالة والإنصاف، وبالتالي الأمان، وبما يقضي على حالات العجز والطمع والفساد .

المجال السادس: حُسن إدارة الجامعة: إذ تعمل الحاكميّة على إدارة الجامعة وخاصة فيما يتعلق بعمليات التخطيط، أو التنظيم أو التوجيه أو المتابعة بكفاءة وفعالية، ومن ثم تزداد بمقدرته الإدارية للجامعة من خلال تحديد الأهداف الخاصة بكل نشاط، وتحديد البرامج التنفيذية، وحشد الموارد والإمكانات الكفيلة بتنفيذ هذه الأهداف .

المجال السابع: زيادة الفاعلية والاهتمام: إذ تقوم الحاكمية بدور شديد الأهمية في زيادة الفاعلية للجامعة، ويجعل حاضرها ومستقبلها واعداً من خلال عدة وسائل منها: جودة المخرجات والارتقاء بنوعيتها، واكتساب مزايا تنافسية بخرّيجيها .

وفضلاً عن المجالس المختلفة، فإن الجامعة تراقب من خلال عدة لجان من أهمها اللجنة المالية، والتي عليها أن تقدم تقاريرها إلى المجلس العام حول الأنشطة والتصرفات المالية التي حدثت في الجامعة، ولجنة المراجعة التي تتألف من عضوين غير تنفيذيين وثلاثة أعضاء تنفيذيين، ومن مهماتها مراجعة أنظمة الرقابة الداخلية بالجامعة، وإدارة المخاطر، ومراجعة فعالية كفاءة النظام المالي في الجامعة، والتقرير عن مراجعة حسابات الجامعة، والتوصية بتعيين المرجع الخارجي .
ومن بين المهمات الرئيسة في إدارة الجامعة المراجعة الداخلية التي يجب عليها ومن خلال لجنة المراجعة، أن تقدم تقاريرها إلى المجلس العام، وإلى المدير التنفيذي للجامعة حول كفاءة إدارة المخاطر وملاءمتها، والرقابة الداخلية، وترتيبات الحاكمية في الجامعة، لذلك على المراجعين الداخليين بالجامعة تقديم ضمانات معقولة (Reasonable assurance) حول هذه الأمور.

نماذج الحاكمية

هناك أربعة نماذج واضحة للحاكمية تتلخص في الآتي:

-النموذج الأكاديمي Academic Model

- نموذج الشركات  The corporation model

- نموذج أصحاب المصالح  Stakeholder

- نموذج الأمناء  model Trustees

تُعد نماذج الحاكمية التي يقودها الأكاديميون النماذج الأكثر تمسكاً بالتقاليد، وهي نماذج قائمة على الإفتراض بأنه يتعين أن تخضع الجامعات لحاكمية الموظفين الأكاديميين. وهناك عدة طرق لتبني مثل هذا النهج، منها: من خلال منح سلطات اتخاذ القرار للمجلس أكاديمي أو لمجلس الأمناء، أو من خلال وجود تمثيل فعال للموظفين الأكاديميين في مجالس الحاكمية، أو عبر تعيين أحد الأكاديميين البارزين كرئيس أو مسؤول في المؤسسة. ففي الحاكمية الأكاديمية، يكون للموظفين الأكاديمين التمثيل الأوسع والرأي الأقوى في تحديد رسالة الجامعة.
إن الحاكمية من خلال مجلس الأمناء، مقابل الحاكمية من خلال نموذج أصحاب المصلحة، تمنح الإدارة سلطات مجلس الأمناء، وهذا يأتي عادة على هيئة مجلس أمناء له أعضاء غير منتجين داخل الجامعة، كما وأن هؤلاء لا يمثلون مختلف أصحاب المصلحة. ويكون لمجلس الأمناء عادة مسؤوليات منها ما يتعلق بواجب الأمانة وأخرى تتعلق بالغاية الواجبة لحماية الوصاية، بما في ذلك الإعلان عن أية عوامل تشكل تضارباً في المصالح والوصاية. إنَّ نموذج أصحاب المصالح يحدث عندما تكون الحاكمية مسندة إلى مجموعة كبيرة من أصحاب المصلحة، بما في ذلك الطلبة، الموظفون الأكاديميون، الخريجون، الشركات الداعمة، الحاكمية، والمجتمع المحلي.

مراحل تطبيق الحاكمية في الجامعات

أكّدت العديد من الدراسات التي بحثت في حاكميّة الجامعات أن هناك مجموعة معايير تعكس وتوضّح القيم التي تسود وتؤثّر في حاكميّة الجامعات هي:

- وجود قوانين وأنظمة وتعليمات توضّح أفضل أساليب ممارسة سلطة مجالس الحاكميّة في الجامعة (مجلس الأمناء، مجلس الجامعة، مجلس العمداء، مجالس الكليات، مجالس الأقسام) وقيادتها الإدارية.

-مدى المشاركة النسبيّة للموظّفين والمجتمع المحلّي من غير أعضاء مجالس الحاكميّة والمديرين في صنع القرارات، وفي توجيه مسار العمل في الجامعة.

-مدى تحمّل مجالس الحاكميّة والموظّفين في الجامعة لأدوارهم.

-مدى وجود لجان رئيسة تابعة لمجالس الحاكميّة تتناول الأعمال التي تحتاج إلى بحث ودراسة تفصيليّة.

-مدى درجة الإفصاح عن رواتب أعضاء مجالس الحاكميّة والموظّفين ومكافآتهم، وما يتّصل بها من إنجازات وأعمال تم القيام بها.

درجة تطبيق معايير ضمان الجودة المحليّة والعربيّة والإقليميّة.

وتُعد المعايير أعلاه مرتكزات أساسيّة لخمس مراحل مقترحة لتطبيق الحاكمية في الجامعات، والتي تتمثل في الاتي:

المرحلة الأولى: إشاعة ثقافة الحاكميّة وتكوين الرأي العام المؤيّد لها: وهي أهم المراحل إذ يتم فيها توضيح معالم الحاكميّة وجوانبها، وأبعادها والمفاهيم الخاصّة بها، ومناهجها وأدواتها ورسائلها. وفي هذه المرحلة يتم التفريق بين الحاكميّة بوصفها ثقافة وسلوكاً والتزاماً، وبين الحاكميّة بوصفها أساساً للمعاملات النزيهة.

المرحلة الثانية: مرحلة بناء الحاكميّة: في هذه المرحلة يتم وضع بنية أساسية قوية قادرة على استيعاب حركتها ومقتدرة على التفاعل مع متغيّراتها ومستجدّاتها، وهي بنية مركّبة ومتشعّبة وممتدة. تتكوّن من بنية أساسية فوقية للحاكميّة، وتشمل مجالس الحاكميّة وجهات الإشراف على تطبيقها على مستوى الجامعة. وبنية أساسية تحتية للحاكميّة، تشمل الأساس القاعدي، والأخلاقي، والقيمي.
المرحلة الثالثة: وضع خطّة إجرائيّة للحاكميّة: وفي هذه المرحلة يتم تحديد الأعمال والمهمّات والواجبات.

المرحلة الرابعة: تنفيذ الحاكميّة وتطبيقها: وتُنفّذ بشكل دقيق مع التطوير والمراجعة المرحليّة لكل خطوة، وفيها تبدأ الاختبارات الحقيقيّة، وقياس مدى رغبة كافّة الأطراف لتطبيق الحاكميّة واستعدادهم.

المرحلة الخامسة: متابعة الحاكميّة وتطويرها: في هذه المرحلة يتم التأكد من حُسن تنفيذ جميع المراحل السابقة، إذ تُعد الرقابة والمتابعة الوسيلة والإدارة الرئيسة التي تستخدمها الجامعة من أجل حُسن تنفيذ الحاكميّة، وهي رقابة ذات طبيعة اشتقاقيّة تكامليّة لها وظيفتان: الأولى: وقائية ابتكاريّة والثانية:علاجيّة.

دور الطلبة في الجامعات التي تطبق الحاكمية

تتميّز الحاكميّة في الجامعات عن أي نظام إداري آخر بأن الطالب هو محورها الأول ومحور جميع عملياتها، فإذا كانت الحاكميّة تقوم على مشاركة الطلبة في صناعة السياسات والقرارات والآليات التي تسمح للجامعة بتحقيق أهدافها في تقديم خدمة تعليميّة متميّزة ومراقبتها وتقييمها ومن ثمّ تطويرها، فكيف يمكن ترجمة هذا في حيّز التطبيق العملي وبشكل إجرائي يمكن على أساسه قياس مستوى مشاركة الطلبة في إدارة الجامعة.
يتطلّب هذا في البداية وجود نظام لمحاسبة جميع الأطراف، يتحدّد فيه دور كل طرف ومسؤولياته، ويُقيم أداؤه بطريقة مُعلنة وشفافة، وفقاً لطبيعة الدور وحجم المسؤوليات المنوطة به، وهو ما يعني في هذه الحالة إعادة صياغة العلاقة بين إدارة الجامعة وطلبتها.
وفي هذا الإطار يمكن أن تتنوع مهمات وأدوار الطلبة بين المشاركة في وضع سياسة الجامعة والقرارات الإدارية فيما يتعلق بالأمور الأكاديمية وغير الأكاديمية، التي تؤثر عليهم بطريقة مباشرة، فممارسة الطلبة لهذا الدور تُعد من الأمور المهمة لتنمية شخصياتهم، وتدريبهم على التفكير والفهم العميق للمشكلات، وتسهم في بناء حالة من التوافق بين الطلبة وأعضاء الهيئتين التدريسيّة والإداريّة، وهو ما يُنمي انتماءهم وولائهم للجامعة، كما ينمي قدراتهم المستقبلية على التعامل مع مشكلاتهم المجتمعيّة، ومن ثم انتماءهم وولائهم للمجتمع.
ومن بين ما يُلقى على الطلبة من مهمات إيجابيّة في إطار تطبيق الحاكميّة في الجامعة ومشاركتهم في مسؤولية وضع خطط الأنشطة الطلابيّة خارج قاعات الدراسة، أو في أماكن تواجد الطلبة في الكليات وأماكن مُزاولة للأنشطة، والتي يجب أن تتمتّع بأوسع قدر من الحرية.
مما يمنحهم إحساساً حقيقياً بالمسؤولية، ويشعرهم بأن لهم دور مهم في الجامعة، وأن لآرائهم الأثر الكبير في تطوير الجامعة وتفعيل دورها الداخلي والخارجي.

كذلك فإن لمشاركة الطلبة لإدارة الجامعة في اتخاذ القرارات الخاصة بتطوير البرامج التعليمية، أو في إدخال برامج تعليميّة جديدة، تلبّي احتياجاتهم واحتياجات المجتمع المحلي، أثرها البالغ في شعورهم بالدور المُلقى على عاتقهم، كما وأن مشاركتهم في تقييم الإدارة الجامعيّة، وتقييم أساتذتهم، وفي تقييم البرامج التعليميّة سيّولد لديهم احساساً بالمسؤوليّة، وهو ما سوف يكون له مردود مفيد جداً على تطوير العملية التعليمية بكاملها والذي سيؤدي في النهاية إلى جودة المخرجات، كما ويجب أن يُعطى الطلبة في ظل تطبيق الحاكميّة فرصة كبيرة للمشاركة في إعادة تشكيل المناخ الجامعي بمنحهم أكبر مساحة لتكوين الكيانات التي يريدون تكوينها وليست المفروضة عليهم فقط، مثل الأُسر الطلابية، بجانب بناء اتحاداتهم الطلابية بشكل ديمقراطي، وهو ما يدربهم عملياً على مهارات القيادة الحكيمة والمشاركة السياسية.
هذه المسؤوليات وأوجه المشاركة المتعددة يجب أن يمارسها الطلبة في ظل أعلى سقف متاح من الحرية، حتى تتضح فيه مسؤولياتهم، ويمكن بناءً على هذا تقييم آدائاتهم ومحاسبتهم، وهو الشيء الذي لن يتحقق إلا إذا كان هناك إيمان حقيقي داخل المجتمع الجامعي بأن الشباب قادر بمبادراته وإبداعاته على أن يسهم مساهمة حقيقية في تطوير العملية التعليمية، وتطوير الجامعة، بل وتطوير المجتمع.

 الاثار السلبية التي قد تنتج عن عدم تطبيق الحاكمية في الجامعات

تعد الحاكمية الجامعيّة من أهم الأنظمة الأساسية التي تهدف إلى تحقيق الجودة الشاملة، جودة القيادة والإدارة والأداء، وجودة العمليات، والمخرجات، كما أن التعليم العالي بمؤسساته يمثل الأرضية المناسبة لتطبيق قواعدها ومبادئها، وخير مثال على ذلك نجاح المملكة المتحدة في تطبيقها للحاكمية في جامعاتها، إذ أسهم ذلك وبشكل واضح وفاعل في بلوغ تلك الجامعات مراكز متقدمة في التصنيف العالمي للجامعات.

لذا، عند تطبيق الحاكمية في الجامعات يجب أن يشمل ذلك جميع مكوناتها، انطلاقاً من أن الجامعة تعد نظاماً متكاملاً، ومكوناً من مجموعة من العناصر المتداخلة والمتشابكة والمتفاعلة التي تسعى لتحقيق أهداف محددة. ولكن في حال عدم تطبيق الجامعات للحاكمية فإن ذلك سينعكس سلبياً على قواعد الحاكمية ومبادئها وبالتالي على عملياتها ومخرجاتها وقياداتها وإدارتها، وعلى بيئتيها الداخلية والخارجية، ويتمثل ذلك في الآتي:

الشفافية: إن غياب الشفافية سيؤدي إلى:

-عدم قدرة الجامعة على الوصول إلى ترتيب متميّز ضمن التصنيف العالمي للجامعات، إذ تعد الشفافية من المعايير المهمة في التصنيف العالمي للجامعات.

-عدم أو ضعف تطبيق القوانين والأنظمة والتعليمات على جميع العاملين في الجامعة والطلبة بدقة وموضوعيّة.

-عدم قدرة الأفراد على الحصول على المعرفة والمعلومات المتعلقة بالحاكمية تمكنهم من اتخاذ القرارات الدقيقة والموضوعية وسهولة استخدامها وتطبيقها فعلاً من قبل العاملين في الجامعات.

-غياب الحوار المنتج والمستمر ما بين قيادات وإدارات الجامعة أنفسهم، وما بين منتسبي الجامعة، أو بينهم وبين الطلبة، وانعدام الاتصال والتواصل بين جميع الأطراف في جميع عمليات الجامعة.

-عدم القدرة على تحديد الأدوار والمهمات للقائمين بالعملية التعليمية والإدارية بدقة وشفافية وموضوعيّة.

-عدم القدرة على اختيار القيادات والإدارات الجامعية، وكذلك أعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية بشفافية وعدالة وموضوعيّة.

•المُساءلة: إن غياب المُساءلة سيؤدي إلى الآتي:

-عدم القدرة على تطبيق الأنظمة والتعليمات بكل شفافية وموضوعيّة على جيمع العاملين في الجامعة وطلبتها.

-عدم وجود تقارير دقيقة تقدمها لجان المراجعة والمراقبة في الجامعة لمعرفة مدى فعالية وكفاءة النظام المالي في الجامعة، وإعداد تقارير دقيقة عن مراجعة حسابات الجامعة.

-عدم وجود آليات مراقبة بيد أصحاب المصالح تُمكنهم من التعامل مع الإدارة التنفيذية وتوجيه السلوك من خلال آليات الانتخاب المتكررة.

-عدم قدرة الجامعة الإفصاح للمجتمع أو منتسبي الجامعة عن قوائمها المالية مرفقاً به تقارير منفصلة من قبل مراجعي الحسابات، بسب عدم وجود نظام متكامل للتقييمين الداخلي والخارجي ومتابعة العمل.

المشاركة: إن غياب المشاركة سيؤدي إلى الآتي.

-عدم مشاركة قيادات الجامعة وإدارتها، والهيئتين الأكاديمية والإدارية والطلبة والمجتمع في رسم السياسات العامة للجامعة، أو الأنظمة والتعليمات.

-عدم إتاحة المجال للطلبة في صنع القرارات الخاصة بالجامعة أو المشاركة في إعدادها.

-عدم مشاركة أصحاب المصالح في القرارات الإستراتيجية للجامعة.

-عزوف أعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية والطلبة عن المشاركة في أنشطة الجامعة كافة وفي تحمل المسؤولية المجتمعية.

 وتأسيسا على ماسبق ،فعند الامعان في القواعد الثلاث للحاكمية كنظام نجد أن هناك تفاعلات تحدث مابينها، وإن إنعدامها أو ضعفها سيؤدي إلى خلل في التفاعل، وهذا سيؤدي إلى الآتي:

-زيادة قوة الفساد، إذ تكون قواعد الحاكمية وتفاعلاتها ضرورية لمحاربة الفساد ومقاومته والتخلص من أضراره. وانتشار الفساد الأكاديمي الذي يعد أكبر تهديداً لمشروعات الإصلاح القائمة في الجامعات، والذي تتجسد أبرز مظاهره في المتاجرة بالسلطة الأكاديمية للانتفاع الشخصي.

-زيادة الطرد الاستثماري وبخاصة في الجامعات الخاصة، أو الشراكة مع المؤسسات الاقتصادية، إذ لا يستطيع أي مستثمر أن يستمر في جامعة ما تعاني من انتشار الفساد، وبالتالي عدم الاستمرار والتواجد في الجامعة.

-فقدان الجامعة لمصداقيتها سواء بالنسبة لعملياتها أو مخرجاتها.وشيوع حالات اللامسؤولية، وعدم الالتزام العملي أو الأخلاقي أو المهني، في ظل ضياع كامل الحقوق والالتزامات.

-زيادة حالات الاغتراب والانفصال عن الواقع، إذ يميل الجميع إلى استخدام التزييف والتزوير واستخدام كافة الأساليب غير المشروعة لإظهار الأمر على غير حقيقته، مما يؤدي إلى خلق واقع زائف مصطنع لا يُعبر عن حقيقة أوضاع الجامعة.

-زيادة عدم الالتزام وعدم الشعور بالواجب وعدم الرغبة في تحقيقه، بحيث لا يلتزم العاملون بالتعليمات النافذة وسيادة الرشوة والمحسوبية وانقلاب المعايير.

-شيوع أعمال الشغب والعنف الطلابي، بسبب غياب المُساءلة والمشاركة والشفافية.

-عدم القدرة على تشكيل مجالس الحاكمية بشكل ديمقراطي وإن وجدت فهي غير قادرة على القيام بمهماتها على أكمل وجه وعلى تحمل مسؤوليتها.

-الإنغلاق، وعدم الانفتاح على المجتمع وتقصي احتياجاته، وعدم تحمل الجامعة لمسؤولياته المجتمعية.

-عدم وجود رؤية أو سياسة واضحة لتنمية قدرات القائمين على العمل الجامعي والارتقاء بمهاراتهم وقدراتهم العلمية وتغيير أنماط تفكيرهم، بدءاً بالطالب وانتهاءً برئيس الجامعة، وهذا سينعكس سلباً على العملية التعلمية والبحثية.

التوصيات

انطلاقاً من أن حاكمية الجامعات تعد منظومة متكاملة من مجموعة من العناصر البشرية والمادية المتكاملة والمتفاعلة تولد الانسجام والتوازن داخل الجامعة، إذ يسبب فقدانها خللاً كبيراً في عملياتها ومن ثم في مخرجاتها، ومن نتائج هذه الدراسة، يمكن التوصية بالآتي:

-التوسع في أعداد أعضاء مجالس الحاكمية في الجامعات العامة ومجلس الأمناء بخاصة بحيث يتناسب ذلك وحجم الجامعة مع التركيز على أعضاء المجتمع المحلي من ذوي الاختصاصات المرتبطة بتخصصات برامج الجامعة.

-تفعيل مجالس الحاكمية في الجامعات بحيث تتحمل مسؤولياتها المجتمعية والوطنية بكافة مجالاتها.

-العمل على تطوير التشريعات التي تتضمن الاستقلال الحقيقي للجامعات من مختلف الجوانب الإدارية والمالية.

-إشاعة ثقافة الحاكمية بما تتضمنه من مبادىء الشفافية، والمساءلة والمشاركة. الأمر الذي سينعكس إيجاباً على الارتقاء بأداء الجامعات وكفاءتها وبالتالي وصولها الى العالمية في التصنيفات المختلفة.

-مراجعة أنظمة حاكمية الجامعات ومفاهيمها ومدى تطبيقها، سنوياً من أجل تعديل البنود غير الفاعلة، ووضع أنظمة تتماشى مع وضع الجامعة ومتطلبات الطلبة والموظفين بوضوح، ومع التوجهات العالمية في حاكمية الجامعات.

- إعداد برامج توعوية للطلبة ولأعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية وبخاصة الجدد منهم من خلال ندوات ومحاضرات وورش عمل عن الحاكمية ومبادئها ومجالات تطبيقها.

 

 

 
المواطنة لا الدين .. هي الرباط بين رعايا الدولة في الإسلام PDF طباعة أرسل إلى صديق

مركز الرأي للدراسات

اعداد : بلال حسن التل

تشرين الثاني2013

قال صديقي المسيحي معلقًا على مقالي المنشور في «الرأي» يوم الأربعاء 5/11/2013، حول «حقوق المواطنة في الدولة الإسلامية» كما نصت عليها صحيفة المدينة التي نظم من خلالها رسول الله صلى الله عليه وسلم العلاقة بين مواطني الدولة الناشئة ومتسائلاً: إلى أي حد تم تطبيق نصوص صحيفة المدينة على أرض الواقع؟ وهل هناك نموذج تاريخي يمكن من خلاله طمأنة مسيحيي الشرق على حقوقهم في هذا الوطن، في ظل تصاعد العنف الذي تصاعدت معه هجرتهم؟ وبعض أسبابها تصرفات متعصبين ومتطرفين يحسبون أنفسهم على الإسلام؟ فأجبت صديقي بالقول: إن التاريخ مليء بالشواهد والأدلة والنماذج على حق المواطنة الذي يتمتع به الجميع،-مسلمين وغير مسلمين-في ظل دولة الإسلام، كما ان الأدلة كثيرة على انه في كل مرة كان غير المسلمين في بلد إسلامي يظلمون، كان المسلمون يتعرضون لظلم أشد من ظلم غيرهم في بلاد المسلمين. فالظلم إذا وقع عمّ، خاصة في مراحل التخلف الحضاري كهذه المرحلة التي نعيشها. لذلك علينا جميعًا في هذه البلاد -مسلمين ومسيحيين- ان نسعى إلى إعادة بناء الوعي الحضاري للأمة، لتستعيد معها بناء علاقة المواطنة كما تضمنتها صحيفة المدينة، التي حولها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من بعده في عصور نهضتهم إلى حقيقة مجسدة على الأرض. فعاش أبناء الأمة في ظل دولة الإسلام على اختلاف أديانهم وألوانهم متعاونين متحابين، تربطهم علاقات إنسانية واجتماعية وثقافية، واقتصادية كاملة، مبنية على الاحترام كأبناء وطن واحد.


الحق في حرية الاعتقاد

ففي مجال العقيدة واحترام عقائد غير المسلمين، أرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدة ثابتة على مر الأجيال في احترام عقائد الآخرين، من ذلك: أنه لما قدم وفد من نصارى الحبشة إلى المدينة المنورة، أنزلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده؛ كما كان يقوم بنفسه على خدمتهم ورعايتهم، لانهم كانوا للصحابة الذين هاجروا للحبشة مكرمين.. فأحب عليه السلام أن يكرمهم بنفسه.
كما سمح رسول الله عليه السلام لوفد نصارى نجران، الذي جاء لمباهلته عليه السلام بإقامة صلاتهم في مسجده. حيث خصّص لهم جزءًا من المسجد، كانوا يقيمون ويصلون فيه، في حين كان الرسول والمسلمون يصلّون في الجزء الآخر من مسجده عليه السلام. وهي نفس الممارسة التي تكررت بعد ذلك كثيرًا في تاريخ أمتنا. كما حدث في كنيسة يوحنا الكبرى في دمشق، حيث وافق المسلمون بعد فتح دمشق على أن يصلوا فيها، فكان أبناء الديانتين يصلّون في نفس الوقت، فئة منهم تتجه نحو الكعبة والثانية نحو القدس، بعد أن سبق ذلك رفض أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الصلاة في كنيسة القيامة خوفًا من ان تتحول إلى مسجد في أروع ممارسة من منتصرين في احترام عقائد الناس.
لقد ظلت الدولة الإسلامية في كل عهود ازدهارها كافلة لحرية الاعتقاد لكل مواطنيها امتثالاً لأمر الإسلام، واقتداء برسول الله، وتنفيذًا لصحيفة المدينة، حيث امتدت حرية الاعتقاد عند المسلمين لتشمل بالإضافة لليهود والمسيحيين، الصابئين، والزادشتيين، والهندوس، والبوذيين. كما اعترف المسلمون بالمجوس كأهل ذمة، وصار لهم مثلما لليهود والمسيحيين رئيس يمثّلهم لدى الخليفة. وبسبب هذه الحرية في الاعتقاد ظل الجميع، خاصة أهل الكتاب يمارسون طقوسهم الدينية بحرية تامة، فقد ظلّ المسيحيون بعد الفتوحات الإسلامية على ما كانوا عليه من حيث الدين وطقوسه، يقيمون الصلاة في كنائسهم، كما كانوا يقيمونها قبل الإسلام. يأتيهم الأساقفة والقساوسة من أنطاكية والقسطنطينية. وظلّوا يتكلمون بلغة روما، ويعتقدون معتقداتها تمامًا مثلما ظلّ أقباط مصر يتكلمون بلغتهم إلى ما بعد دخول الإسلام مصر بمئات السنين.

مجتمع متعدد

وبسبب هذه الحرية في الاعتقاد أيضًا ظل أصحاب الديانات الأخرى يعيشون في كل العالم الإسلامي،-مدنه وقراه وبواديه-، بينما تم استئصال المسلمين واليهود من الأندلس بعد سقوطها بيد الإسبان. وفي التاريخ إن الإمبراطور شارل الخامس أصدر في أوائل القرن السادس عشر مرسومًا في إسبانيا ضد من أسماهم بالهراطقة، وفي طليعتهم المسلمون واليهود. وصار يُعاقب كل من لا يعترف بصحة العشاء الرباني كما يراها هو، بالشنق والحرب وتمزيق الجثة ولوي اللسان. وكانت أوروبا تنظر إلى اختلاف المذهب داخل الدين المسيحي كجريمة وكسبب لإشعال الحرب. ولذلك قال العالم الألماني آدم ميتز:»إن أكبر فرق بين الإمبراطورية الإسلامية وبين أوروبا التي كانت كلها على المسيحية، يتمثّل في وجود عدد هائل من أهل الديانات الأخرى بين المسلمين».

امتزاج اجتماعي

أما على الصعيد الاجتماعي، فلم يمنع اختلاف الدين من امتزاج الناس اجتماعيًا في ظل الدولة الإسلامية، بعد أن أرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسس هذا الامتزاج.. ذلك أنه عليه السلام تزوج من مسيحية ومن يهودية صارتا أمهات للمؤمنين، وهذه ممارسة نبوية تؤكد على تشجيع الإسلام للامتزاج الاجتماعي بين الناس تحقيقًا لهدف رئيس من أهداف خلق الإنسان وهي التعارف:»وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا». وهذه الممارسة النبوية تدل أيضًا على أن الرباط بين أبناء الدولة والمجتمع هو رباط المواطنة، وأن لكل دينه على قاعدة «لكم دينكم ولي دين».
وفي الإطار الاجتماعي أيضاً كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من أهل الكتاب كان يتعهّدهم بالبرّ، وحسن الجوار، ويتبادل معهم الهدايا، حيث كان عليه السلام يتقبّل هدايا جيرانه من أهل الكتاب؛ كما كان عليه السلام يحضُر ولائمهم ويشاركهم مناسباتهم الاجتماعية، ويشدّ من أزرهم في مصائبهم ويشاركهم مجالسهم، وقامت بينه وبينهم معاملات تجارية واقتصادية بما في ذلك القرض والرهن. واقتداء بهذا السلوك النبوي ظل المسلمون في كل عصور الازدهار يشاركون أبناء الديانات الأخرى من شركائهم في الوطن بكل أعيادها الدينية، ومناسباتهم الاجتماعية، ففي العهد الأموي كانت للمسيحيين احتفالاتهم العامة في الشوارع، تتقدمها الصلبان، ورجال الدين بألبستهم الكهنوتية، ويروى أن البطريرك ميخائيل دخل الإسكندرية في موكب ضخم، وبين يديه الشموع والصلبان والأناجيل. وكان ذلك في عهد هشام بن عبد الملك. أما في عهد هارون الرشيد فقد كان المسيحيون يوم عيد الفصح يخرجون في موكب كبير وبين أيديهم الصليب. ويذكر المؤرخون أن الأسواق كانت تتزين في أعياد المسيحيين. أما في عهد الإخشيديين فكان يقام في عيد الغطاس احتفالٌ كبيرٌ.. حتى أن السلطان الإخشيدي محمد بن طغج كان يجلس في قصره، وقد أسرج حوله ألف قنديل، وكان الناس من مسلمين ومسيحيين يلبسون أحسن ما عندهم من ثياب، ويحملون ألوان الطعام والشراب في أوانٍ من الذهب والفضة احتفالاً بهذا العيد.

وهذا كله غيض من فيض حول العلاقات الاجتماعية والإنسانية التي قامت بين أتباع الديانات في ظلّ الدولة الإسلامية التي تقوم على المواطنة والتعددية.

وفي مناصب الدولة

ومن مؤشرات حق المواطنة لغير المسلمين في دولة الإسلام، أن اختلاف الدين لم يحل بين غير المسلمين وإشغال أعلى المناصب في الدولة الإسلامية.. فقد تولى غير المسلمين أرفع المناصب في الدولة الإسلامية، بما في ذلك الوزارات الحسّاسة مثل وزارة المالية، بل لقد وصل بعض غير المسلمين في الدولة الإسلامية إلى مواقع أثارت غيرة المسلمين. فقد كان المسيحيون يتولون تأديب بعض الأمراء، حيث عهِد عبد الملك بن مروان إلى مسيحي هو أثناسيوس بتأديب أخيه عبد العزيز. وقد رافقه إلى مصر عندما صار عبد العزيز واليًا لمصر، حيث جمع أثناسيوس هناك ثروة طائلة من بينها: أربعة آلاف من العبيد والكثير من القصور والبساتين وقيل إن الذهب والفضة كانت عنده كأنها الحصى، وكان أولاده يأخذون من كل جندي عند استلام راتبه دينارًا، وقد بلغ مرتبة الرئاسة في دواوين الإسكندرية ولقب بالمخاطبات الرسمية بـ»الكاتب الأفخم». وقد صار أثناسيوس هذا متوليًا للخراج، أي وزيرًا لمالية دولة الخلافة كلها.
أما في عهد الخليفة المعتصم، فقد كان من أقرب الناس إليه وزيره المسيحي سلمويه، وقد كانت الوثائق الرسمية الصادرة عن الخليفة لا تأخذ صفة التنفيذ إلا بعد توقيع سلمويه عليها، في حين عهد بحفظ خاتم الخليفة إلى شقيق سلمويه، بالإضافة إلى خزانة بيوت المال. وفي عهد المعتضد كان والي الأنبار عمر بن يوسف مسيحيًا.
كما شغل إبراهيم بن هلال الصابئي أعلى المناصب في العهد العباسي، ولّما مات رثاه الشريف الرضيّ شيخ الهاشميين العلويين.

وفي عهد الخليفة الفاطمي الظاهر، كان الوزير أبو نصر صدقة بن يوسف الفلاحي يهودياً، وكان يدير الدولة معه يهوديٌ آخر هو أبو سعد التستري. أما في عهد الخليفة الفاطمي العزيز بالله الذي كان متزوجًا من مسيحية، فقد صار المسيحيون هم أصحاب النفوذ في بلاطه، وقد عيّن شقيقي زوجته مطرانين، أحدهما للقدس، والآخر لمصر. وقد استوزر هذا الخليفة عيسى بن نسطورس النصراني، وأناب عنه بالشام منشا اليهودي.

فرادة تاريخية

أما في الأندلس، فقد كان الأمر لا يقلّ عنه في الشرق من حيث اشتراك غير المسلمين في إدارة الدولة باعتبارهم مواطنين وشركاء في الوطن. وقد لاحظ آدم ميتز ضخامة عدد الولاة والعمال والموظفين في الدولة الإسلامية في عصورها المبكّرة فقال:»كأن النصارى هم الذين يحكمون المسلمين في بلاد الشام». ومن ذلك أن الإدارة المالية في الدولة الأموية أسندت لأسرة مسيحية، ظل أبناؤها يتوارثون الوظائف المالية لعقود. كما أسندت جباية خراج مصر إلى إبن أثال وهو مسيحي، وهذا كله غيض من فيض يؤكد أن الإسلام يجعل كل أبناء الوطن شركاء في حمايته، وإدارته بصرف النظر عن دينهم. وهو ما دفع مسيحي منصف هو أدمون رباط في كتابه المعنون»المسيحيون في الشرق قبل الإسلام» إلى القول:»إنه للمرة الأولى في التاريخ انطلقت دولة هي دينية في مبدئها، ودينية في سبب وجودها، ودينية في هدفها، ألا وهو نشر الإسلام عن طريق الجهاد بأشكاله المختلفة من عسكرية وتبشيرية إلى الإقرار في الوقت ذاته بأن من حق الشعوب الخاضعة لسلطانها ان تحافظ على معتقداتها وتقاليدها وطراز حياتها. وذلك في زمن كان يقضي المبدأ السائد بإكراه الرعايا على اعتناق دين ملوكهم، بل وحتى على الانتماء إلى الشكل الخاص الذي يرتديه هذا الدين».

دفاع عن الوطن

ولم يتوقف إشراك غير المسلمين في الدولة الإسلامية على الجوانب المدنية من إدارة الدولة، بل تعداها إلى الجانب العسكري، مما يعني أعلى درجات ثقة الدولة برعاياها من غير المسلمين، ومما يؤكد ان الدولة الإسلامية تقوم على أساس المواطنة، فمنذ البدايات الأولى لفتح الشام اتصل قادة الفتح بعرب الشام الغساسنة المسيحيين واستعانوا بهم على اعتبار انهم عرب، وقد استجاب عدد كبير منهم لدعوة الجيوش الإسلامية فساعدوها، خاصة في فتح دمشق. وظل الخلفاء حريصين على إشراك من يرغب من غير المسلمين في الدفاع عن الوطن، حيث كان يعفى مَنْ ينخرط في الجيش مِنْ دفع الجزية، لأن الجزية في جوهرها بدل الخدمة العسكرية. لذلك كانت تسقط عن الشيخ والمرأة والطفل، وعن العاجز عن حمل السلاح، وعمن يرغب في القتال إلى جانب المسلمين، كما كانت تُرد إلى المدن التي لا يستطيع المسلمون الدفاع عنها.
وقد أصل فقهاء المسلمين جواز اشتراك غير المسلمين في جيش الدولة، دون إجبارهم على هذه المشاركة لأن الأصل في أن أحد مهمات الجيش المسلم هو إزالة الحواجز أمام نشر الإسلام مما لا يؤمن به غير المسلم.
فقد أجاز الإمام الشافعي اشتراك غير المسلمين في الجيش الإسلامي، مستندًا إلى أن الرسول عليه السلام استعان في غزوة خيبر بعدد من يهود بني قنيقاع، كما استعان في غزوة حنين بمشرك هو صفوان بن أمية. وذكر البلاذري أن أبا زيد الطائي وهو مسيحي حارب إلى جانب المسلمين في واقعة الجسر.
 وفي عهد الخليفة المعتضد أوكل إلى مسيحي، يدعى إسرائيل أمر تنظيم الجيش، وفي أيام المقتدر تولى ديوان الجيش مسيحي كما لا يخفى على أحد اشتراك العرب المسيحيين مع صلاح الدين في رد الهجمة الصليبية على بلادنا، وهذه كلها شواهد تؤكد شراكة أبناء الوطن في الدفاع عنه.
إذن فالتاريخ مليء بالممارسات والتجارب والأدلة، التي تؤكد ان الدولة الإسلامية ليست دولة دينية بالمفهوم الغربي الذي ساد في القرون الوسطى، لكنها دولة مواطنة، يتمتع بها المواطن بكل حقوقه، وأولها حق العبادة بحرية، ورغم أن بعض أتباع الديانات الأخرى من مواطني الدولة الإسلامية استغلوا الحرية التي مُنحت لهم، والمكانة التي احتلّوها في الدولة الإسلامية فسعوا لإضعافها، بل إن منهم من تآمر مع أعدائها، لكن ذلك لم يجعل الخلفاء والسلاطين يفكرون بحرمان غير المسلمين من حقوقهم، بل لقد تصدى الفقهاء لمن حاول ذلك منهم كما حدث مع السلطان العثماني سليم الأول الذي فكر بإخراج غير المسلمين من البلاد، فتصدّى له شيخ الإسلام قائلاً:»ليس لك على النصارى واليهود، وليس لك أن تزعجهم عن أوطانهم».
خلاصة القول: إنه إذا لحق ظلم أو أذى في أية فترة من فترات التاريخ بغير المسلمين في بلادنا، فقد كان هذا الظلم والأذى يعمُّ فيصيب المسلمين مع غيرهم، (كما نلحظ)، الآن فإن العنف لا يصيب المسيحيين وحدهم سواء في العراق، أو سورية، أو لبنان، أو أي بلد من بلداننا، لكنه يصيب المسلمين والمسيحيين، مما يفرض علينا جميعًا كمواطنين أن نتوحد لمواجهة التطرف، والإرهاب، والتخلف ببناء وعي الأمة الحضاري، فهذا هو الحل أما الهجرة فليست حلاً.

 

 
استئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية PDF طباعة أرسل إلى صديق

مركز الرأي للدراسات

إعداد: حمادة فراعنة

أيلول 2013

  سجلت القوى والفصائل السياسية الفلسطينية مضمون معارضتها لاستئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية تحت الرعاية الأميركية لأكثر من سبب:

أولاً: لأنها تمت في ظل تراجع القيادة الفلسطينية عن التمسك الحازم بشروطها الثلاثة لاستئناف المفاوضات وهي: وقف الاستيطان الكامل بما يشمل مدينة القدس، وأن تكون خطوط الرابع من حزيران 1967، هي مرجعية التفاوض، خاصة بعد الإقرار الدولي من قبل الأمم المتحدة بقبول دولة فلسطين كعضو مراقب على أساس حدود الدولة وهي حدود 4 حزيران 1967، وإطلاق سراح أسرى ما قبل اتفاق أوسلو 1993.

ولذلك، وعلى خلفية استجابة منظمة التحرير للضغوط العربية والأميركية، بقبول استئناف المفاوضات من دون تلبية الشروط الفلسطينية المعلنة، طالبت القوى السياسية الفلسطينية، ليس فقط بالانسحاب من هذه المفاوضات، التي لا يراهن عليها أحد، بل يطالبون بالتمسك بالشروط الفلسطينية المعلنة، لأن التساهل بشأنها يعني تغيير قواعد اللعبة، أي تغيير قاعدة المفاوضات وخلفيتها، ما يؤثر جوهرياً على سيرها ومن ثم على نتائجها.

ثانياً: إنها تمت في ظل سعار استيطاني متواصل، وعملية تهويد وأسرلة للقدس والغور والتمدد السرطاني في قلب الضفة الفلسطينية ما يوحي وكأن المفاوضات غطاء للاستيطان، أو قبول به، أو صمت عليه، ولذلك مثلما شكلت عملية التفاوض أداة لإطلاق سراح أسرى ما قبل أوسلو والنجاح بالإفراج عنهم، يجب أن تشكل أداة ضاغطة لوقف الاستيطان، خاصة وأن منظمة التحرير، أوقفت نشاطها في الحصول على عضويتها لدى مؤسسات دولية، أو تأجيل التوقيع على اتفاقات دولية تشكل محاكمات سياسية ومعنوية وقانونية للاحتلال الإسرائيلي وإجراءاته العدوانية التوسعية.

ثالثاً: لقد حققت منظمة التحرير انتصارين خلال الأشهر القليلة الماضية تمثل:

أولاً: قبول فلسطين كدولة مراقب لدى الأمم المتحدة بتصويت 138 دولة مقابل تسع دول فقط، وهو انتصار كبير، أضاف لفلسطين مكانة قانونية وسياسية نوعية على طريق استعادة كامل حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف أو التبديد أو التراجع مثل:
 حقه في الاستقلال، في إطار الأراضي المحتلة العام 1967 وعاصمتها القدس، وحقه في المساواة في مناطق 48، وحقه في العودة للاجئين وفق القرار 194.

أما الانتصار الثاني: فهو قرار المجموعة الأوروبية بمقاطعة الاستيطان والمستوطنين وكل ما ينتج عنهما أو يتعامل معهما وسيتم تطبيق هذا القرار بداية من الأول من كانون الثاني 2014، وهو قرار نوعي اعتبرته الأوساط الإسرائيلية بمثابة زلزال سياسي أوروبي ضد المصالح التوسعية الإسرائيلية، وستكون له نتائج وتداعيات عند بدء سريانه مع بداية العام المقبل.

وكلاهما شكّل رافعة قوية مساندة، وإضافة نوعية على الطريق الطويل، ولذلك يجب أن تكون المفاوضات وسيلة كفاحية، لاستعادة الحقوق، بطريقة قانونية دبلوماسية تعتمد استحضار الحقوق المسنودة، والوقائع الحسية والأمثلة الحية والقوانين والقرارات الدولية، والشرعية الدولية، لإقرار هذه الحقوق لاستعادتها، فما هي الخلفية التي شكلت غطاء أو دوافع لمنظمة التحرير كي تقبل استئناف المفاوضات في ظل غياب المرجعيات والقرارات الدولية، بعد أن حققت منظمة التحرير هذين الانتصارين على المستوى السياسي دولياً وأوروبياً ؟؟.
في صلب اهتمامات منظمة التحرير، وبرنامجها، العمل على إشراك المجموعة العربية في تحركاتها، كانت لجنة متابعة مبادرة السلام العربية، التي تشكلت من رحم الجامعة العربية، هي الوعاء للتحرك الفلسطيني العربي على المستوى الدولي.

في 8/4/2013، عقدت لجنة متابعة مبادرة السلام العربية، اجتماعها في قطر، برئاسة رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري وبمشاركة 15 وزير خارجية عربياً وأمين عام الجامعة العربية، بحضور الرئيس محمود عباس، وقررت، وفق أوراق صائب عريقات الداخلية، ما يلي:
 
1.إيفاد وفد مكون من ثمانية وزراء خارجية عرب إلى واشنطن، بهدف إجراء مشاورات مع الإدارة الأميركية حول مجريات عملية السلام المُعطلة من مختلف جوانبها وأبعادها وعرض الموقف العربي إزاء مُعالجة القضية الفلسطينية والصراع العربي – الإسرائيلي، تنفيذاً لقرار القمة العربية الصادر بهذا الشأن في الدوحة يوم 26/3/2013.

2. التأكيد على وجوب التوجه مباشرة إلى اتفاقية سلام شاملة لإنهاء النزاع الفلسطيني الإسرائيلي بتنفيذ قرار مجلس الأمن «242» وتطبيق حل الدولتين.

3. يكون الإطار العام لحل الدولتين بحيث توضع أطر واضحة للحل، خاصة وأن هناك توافقاً دولياً واضحاً على الإطار العام الذي يقوم على أساس حل الدولتين، فلسطين وإسرائيل، تعيشان جنباً إلى جنب في أمن وسلام.

4.تشمل الاتفاقية جميع القضايا التي أصبح يُطلق عليها قضايا الوضع الدائم وهي:

أ‌ - الحدود: تقوم الدولتان على أساس حدود 4 حزيران 1967، مع إمكانية تبادل طفيف للأراضي يتفق عليه، متساوية في القيمة والحجم.
ب‌ - الأمن: تحقيق الأمن المتساوي والمتكافئ للطرفين، مع ضرورة تواجد طرف ثالث لمراقبته والتحقق منه وضمانه.
ت‌ - اللاجئون: ضرورة التوصل إلى حل عادل ومتفق عليه لمشكلة اللاجئين استناداً لقرار الجمعية العامة رقم (194) ومبادرة السلام العربية. مع رفض أي تعديل للمبادرة العربية.
ث‌ - القدس: تكون عاصمة لدولتين.
ج‌ - المياه: يتم الاتفاق على قضية المياه وفقاً لقواعد القانون الدولي.
ح‌ - الأسرى والمعتقلون: يتم الإفراج عن جميع الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

5- يجب أن يتفق على سقف زمني محدد وملزم للتوصل لاتفاقية السلام الشاملة لإنهاء النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي. ويجب ألا تزيد الفترة الزمنية على عدة شهور. بعيداً عن الحلول المرحلية والانتقالية، أو إبقاء الوضع على ما هو عليه.

6- لا بد من بلورة آلية رعاية لطرف مسير وضامن، ذات ولاية قوية وقدرة على قيادة المفاوضات وطرح أطر وبدائل وضمانات لحل القضايا الصعبة.

7- يلتزم الطرفان بعدم اتخاذ أي إجراءات من شأنها تدمير الثقة أو تعكير المناخ، أو التأثير سلباً على مسار المفاوضات أو نتائجها.

8- تتوقف إسرائيل تماماً عن نشاطاتها الاستيطانية، حيث أن كافة الأنشطة الاستيطانية غير قانونية ولاغية وباطلة.

9- تفرج إسرائيل عن الأسرى ما قبل اتفاق أوسلو 1993.

10- تلتزم فلسطين بعدم اتخاذ أي خطوات نحو الانضمام إلى منظمات أو اتفاقيات دولية أو اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية خلال فترة المفاوضات.

11- تلتزم الأطراف الإقليمية والدولية ذات الصلة بدعم المفاوضات، وبخاصة دعم السلطة الفلسطينية على استكمال بناء مؤسسات الدولة ورفع كفاءة الاقتصاد الفلسطيني.

وخلال يومي 29 و30 نيسان 2013، عقد الوفد الوزاري العربي، سلسلة اجتماعات في واشنطن مع نائب الرئيس الأميركي «جوزيف بايدين» ووزير الخارجية «جون كيري»، وأكدوا تمسكهم بالسلام كخيار استراتيجي، وملخص ما عرضوه ما يلي:

1- هدف عملية السلام تحقيق مبدأ الدولتين على حدود الرابع من حزيران العام 1967، مع إمكانية تبادل طفيف للأراضي بالقيمة والمثل.
2- حل كافة قضايا الوضع النهائي وهي: القدس، الحدود، المستوطنات، اللاجئون، المياه والأمن استناداً لقرارات الشرعية الدولية ذات العلاقة.
3- رفض الحلول الانتقالية والمرحلية رفضاً قاطعاً وتاماً.
4- اعتبار كافة النشاطات الاستيطانية الإسرائيلية لاغية وباطلة وغير شرعية ومُخالفة للقانون الدولي.
5- الإفراج عن الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، خاصة الذين اعتقلوا قبل اتفاق أوسلو العام 1993.
6- وجوب التوصل إلى اتفاق سلام شامل ودائم وعادل وبما يشمل المسارين السوري والبناني.
7- التمسك بمبادرة السلام العربية لعام 2002، ورفض إدخال أي تعديلات عليها.
8- أن تجري المفاوضات برعاية أميركية ودولية مناسبة وضمن سقف زمني لا يتجاوز أشهراً عدة.

وبهذا كانت حصيلة زيارة الوفد، وما قدمه للإدارة الأميركية، دعماً كبيراً للشعب الفلسطيني، وبرزت أهميته، أنهم تحدثوا باسم العرب، كصوت واحد، وكانت نتائجه نقطة ارتكاز في كافة المحادثات الأميركية الفلسطينية.

وبعد سلسلة طويلة من الاجتماعات والاتصالات الأميركية الفلسطينية، اجتمعت لجنة متابعة مبادرة السلام العربية في عمان يوم 17/7/2003، مع كل من وزير الخارجية جون كيري، ومع الرئيس محمود عباس، واعتبرت اللجنة «أن الأفكار التي طرحها الوزير كيري أمام اللجنة تضع أرضية وبيئة مُناسبة للبدء بالمفاوضات خاصة العناصر السياسية والاقتصادية والأمنية الجديدة المهمة»، وعبّرت لجنة متابعة مبادرة السلام العربية، عن أملها «أن تؤدي جهود الوزير كيري إلى إطلاق مفاوضات جادة تُعالج كافة قضايا الحل النهائي لإنهاء الصراع وتحقيق السلام الشامل والعادل في منطقة الشرق الأوسط لتنعم المنطقة بالأمن والاستقرار والازدهار»، وأكدت التزامها «بمُبادرة السلام العربية، وأن أي اتفاق مُستقبلي يجب أن يكون مبنياً على أساس حل الدولتين من خلال إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران العام 1997 وبعاصمتها القدس الشرقية. مع تبادل طفيف للأراضي بالقيمة والمساحة نفسهما»، مثلما أكدت التزامها بأهمية استمرار التنسيق والتشاور مع وزير الخارجية الأميركي بهذا الخصوص.
في 30 تموز 2013، تم رسمياً استئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، في واشنطن، بعد أن أعلن الوزير جون كيري من عمان يوم 19 تموز، موافقة الطرفين على استئنافها، وقد حضرها عن الجانب الفلسطيني صائب عريقات ومحمد اشتية عضوا اللجنة المركزية لحركة فتح، وعن الجانب الإسرائيلي الوزيرة تسيبي ليفني ومستشار نتنياهو المحامي إسحق مولخو، وعن الراعي الأميركي جون كيري وزير الخارجية، ومارتن إنديك المبعوث الأميركي والمفوض بمتابعة ملف المفاوضات، وفرانك لونستين وجوناثان شورتز من موظفي الإدارة الأميركية والخارجية.
لم يكن استئناف المفاوضات بالسهولة الميسرة، بل سبقتها سلسلة طويلة معقدة من اللقاءات الفلسطينية الأميركية، وخاصة بين الرئيس أبو مازن ووزير الخارجية جون كيري، بدأت في رام الله يوم 7/4/2013 واستمرت حتى يوم 19/7/2013، حين أعلن جون كيري من عمان موافقة الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، على استئناف المفاوضات، حيث سجل خلال هذه الفترة الممتدة لثلاثة أشهر أن التقيا أحد عشر لقاء، إضافة إلى الاتصالات التلفونية بين الرجلين، وكذلك بين الرئيسين أوباما وأبو مازن، كما عقد الوفد الفلسطيني ثلاث لقاءات في واشنطن مع الوزير كيري 6/5، و17/5، و19/7 /2013، ولقاء عمل آخر مع الطاقم الأميركي المساعد للوزير كيري، وفي ضوء هذه الاتصالات والاجتماعات، يمكن تلخيص المحددات الفلسطينية، التي تم الاتفاق عليها مع الجانب الأميركي، من أجل استئناف المفاوضات والتي بدأت فعلياً ورسمياً، يوم 30 تموز 2013، في واشنطن، كما يلي:

1-  الهدف من عملية السلام: تحقيق مبدأ الدولتين على حدود 1967 مع تبادل للأراضي متفق عليه.

2- المفاوضات تشمل كافة قضايا الوضع النهائي وهي (القدس، الحدود، المستوطنات، اللاجئون، الأمن، المياه، الأسرى، دون أي استثناءات وتُحل جميعها كرزمة واحدة) .

3- لا مكان للحلول الانتقالية والمرحلية.

4- السقف الزمني لانتهاء المفاوضات من 6 – 9 أشهر، من يوم عقدها الرسمي في 30 تموز 2013.
 
5- يُطلق سراح الأسرى ما قبل أوسلو على أربع دفعات، وعدم ربط الإفراج عنهم بتحقيق نتائج تفاوضية أو لا.

أ‌- 13/8/2013، 26 أسيراً، تم إطلاق سراحهم فعلياً.
ب‌ - نهاية الشهر الثالث، 26 أسيراً.
ت‌ - بداية الشهر السادس، 26 أسيراً.
ث‌ - نهاية الشهر الثامن، 26 أسيراً.

6-  الاستيطان: التمسك بالموقف على اعتبار جميع الأعمال الاستيطانية غير قانونية وغير شرعية ولاغية وباطلة.

7-  الدور الأميركي: ستشارك أميركا بشكل رسمي وفاعل بالمفاوضات.

8-  المفاوضات سوف تجري على مستويين:

أ‌ - الرئيس باراك أوباما – الرئيس محمود عباس – ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والوزير الأميركي جون كيري.
ب‌ - طواقم المفاوضين.

9-  ستجري المفاوضات بالتناوب الجغرافي بين مناطق الاحتلال الأولى العام 48، ومناطق الاحتلال الثانية العام 67.

10- المفاوضات ستجري بشكل سري، ولن يتم الحديث حول مضمون المفاوضات مع وسائل الإعلام إلا عبر الوزير جون كيري.

11- أكد الوزير كيري أنه سوف يعمل عن قرب مع الرباعية الدولية، والدول العربية، وباقي دول العالم.

12-  امتناع الجانبين عن القيام بأي أعمال من شأنها تقويض الثقة.

13- التزام الطرف الفلسطيني بما يلي:

أ‌ - الاستمرار بالمفاوضات دون انقطاع.
ب‌ - الامتناع عن التوجه لعضوية المؤسسات الدولية خلال فترة المفاوضات (6-9 أشهر) .
ت‌ - احترام الالتزام بالاتفاقات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي، وبما فيها الالتزامات الأمنية.

وما أن انتهت لقاءات واشنطن الرسمية الأولى في نهاية شهر تموز، وأُعلن عن موعد جديد للمُحادثات يوم 14/8/2013، حتى بدأت الحكومة الإسرائيلية بالإعلان عن مشاريع استيطانية في القدس الشرقية والضفة الفلسطينية، ما يؤكد أن الحكومة الإسرائيلية تحاول إجهاض المفاوضات قبل أن تبدأ، ما دفع الجانب الفلسطيني ليقدم احتجاجاً رسمياً، وإيضاح هذا الموقف، برسالة خطية، بعثها صائب عريقات، إلى وزير الخارجية الأميركي جون كيري، حيث أكد فيها ومن خلالها، أن الممارسات الإسرائيلية، إن استمرت، لن تؤدي فقط إلى تقويض الثقة، بل إلى تدمير أي إمكانية لنجاح المفاوضات.
كما تم الاتفاق، إلى جانب القضايا السياسية المعروضة، معالجة القضايا الاقتصادية أيضاً، من ضمن الاهتمامات الجارية على جدول أعمال اللقاءات، وستتم متابعتها مع الجانب الإسرائيلي وبمشاركة أميركية، وذلك لتحقيق إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل أيلول 2000، وبما يشمل فتح معبر الكرامة لمدة 24 ساعة، وإعادة الأجهزة الأمنية والمدنية الفلسطينية إلى ممارسة أعمالها، واحترام الولاية الأمنية الفلسطينية لما يسمى (مناطق أ + ب)، واستئناف برنامج جمع شمل العائلات، ورفع الحصار عن قطاع غزة، وإدخال مواد البناء لتنفيذ المشاريع الخاصة بكافة أوجه البنى التحتية وبما يشمل مشروع الصرف الصحي الشامل وتزويد قطاع غزة بخمسة مليون متر مكعب من المياه، والسماح بنقل البضائع والمنتوجات بين الضفة الفلسطينية وقطاع غزة، وفتح المؤسسات الفلسطينية المغلقة في القدس الشرقية، وتنفيذ إعادة الانتشار الثالثة، وغيرها من القضايا التي لم تنفذها الحكومة الإسرائيلية.

 

 
هيئة مكافحة الفساد وديوان المظالم والمحكمة الدستورية.. كيف السبيل لإصلاح قوانينها؟ PDF طباعة أرسل إلى صديق

مركز الرأي للدراسات

اعداد : المحامي د.محمد ملحم

ايلول 2013

تكمن مصلحة الوطن في أن يكون الأردن سباقاً ورائداً في حماية أمنه القومي، وتكمن مصلحة المواطن أن يكون له الحق في الحرية وعدم المساس بكرامته وحمايته وصون ممتلكاته.

من هذا المنطلق تتضمن  هذه الدراسة ثلاثة محاور:

1- المحكمة الدستورية

بعد إقرار قانون المحكمة الدستورية لعام 2012 وصدور الإرادة الملكية بذلك وفق أحكام المادة 31 من الدستور، طُبق القانون في مطلع تشرين الأول 2012.

وعلى ضوء ما بدأ يظهر عند تطبيق أحكام هذا القانون، إضافة إلى ما كان متوقعا، فإن هناك بعض الملاحظات، أولها حق الطعن في القوانين التي تخالف الدستور، والذي مُنح لمجالس الوزراء والأعيان والنواب، وحالة الدفع الفرعي في قضية منظورة أمام المحاكم (الدفع الجدي) والذي ورد في المواد 9 و10 و11 من قانون المحكمة الدستورية.
يكمن ذلك في صحة الطعن عندما يتم من قبل مجلس النواب أو مجلس الأعيان تحديداً، كيف سيتم الطعن؟ هل سيتم بقرار من رئيس المجلس مباشرة أو من المجلس بالتصويت؟ وإذا كان من الرئيس مباشرة فتلك مخالفة للدستور، وإذا كان بالرجوع إلى المجلس فهل يكون التصويت بالأغلبية المطلقة (50+1) أم بالأغلبيه التامة (ثلثا أعضاء المجلس من الحاضرين)، أم مجموع المجلس؟
أما السوابق في ذلك، فإن الطعن في دستورية القوانين في المحاكم الدستورية البلجيكية والهولندية والروسية والهندية يتم بالإحالة المباشرة إلى المحكمة الدستورية لإعطاء الرأي الاستشاري، ثم إذا ما تراءى لأحد المجلسين النواب/ الشيوخ، فإن الطرح يكون بالأغلبية التامة، أي بثلثي الأعضاء للمجلسين وليس الحاضرين، والسبب في هذا الرأي أن الطعن في الدستورية هو أساسا طعن دستوري وتعديل لقانون مهم أو إلغاء لمادة تخالف الدستور، لذا يميل المرء هنا إلى تطبيق نص المادة 126 من الدستور، والتي تمنح حق التعديل لثلثي أعضاء مجلس الأمة.  
أما الأمر الآخر، فهو تعيين رئيس المحكمة الدستورية وأعضائها، إذ نصت المادة (6/أ) من القانون على أن يتم التعيين بإرادة ملكية، لكن كيف يتم الاختيار ما قبل الإرادة في ضوء أن المادة (61) من الدستور حددت الشروط بـ: ممن خدموا في محكمتَي التمييز والعدل العليا وأساتذة الجامعات ممن يحملون درجة الأستاذية في القانون والمحامين الذين لا تقل خبرتهم عن 15 سنة وأحد الأعضاء من أحد المختصين ممن تنطبق عليه شروط العضوية في مجلس الأعيان إضافة إلى ألا يقل العمر عن 50 سنة.
والاقتراح هنا أن يتم التنسيب للأعضاء القضاة من المجلس القضائي، ومن رؤساء الجامعات بالنسبة للأساتذة، ومن نقابة المحامين بالنسبة للمحامين، وأن يتم التنسيب من رئيس مجلس الأعيان بالنسبة للقاضي الآخر. فهذا سيحقق العدالة والكفاءة.

هناك بعض الدول أخذت بمبدأ الانتخاب لأعضاء المحكمة الدستورية من قبل مجلس النواب، لكن مراعاة للحس الوطني والقضائي فإن الاختيار و/ أو التنسيب لجلالة الملك من قبل المجلس القضائي ونقابة المحامين ورئاسة الجامعات ورئيس مجلس الأعيان، سيكون الاختيار للأفضل والأجدر والأكفأ.

ولا بد من تعديل النص الوارد في المادة (60) من الدستور، من حيث حالات الطعن ومن لهم الحق في ذلك، على أن يشمل: النقابات المهنية، الأحزاب السياسية، الهيئات المستقلة (ديوان المحاسبة، وهيئة مكافحة الفساد، وديوان المظالم... إلخ)، مؤسسات المجتمع المدني (القطاع النسائي)، أمانة عمان الكبرى والمركز الوطني لحقوق الإنسان.
ويمكن توسيع صلاحيات المحكمة الدستورية إضافة إلى صلاحيات الرقابة والتفسير، بأن يكون لها الحق في التصدي من تلقاء نفسها لأي قانون و/ أو مادة في قانون و/ أو نظام و/ أو مادة في نظام تخالف الدستور.

أما بشأن المحاكم، فيُقترَح أن يكون للقاضي حق التصدي من تلقاء نفسه وإحالة المواد في القانون مباشرة إلى المحكمة الدستورية. 
 
ولا بد من إلغاء النص الخاص بالإحالة إلى محكمة التمييز، لأن ذلك -ابتداءً- يخالف الدستور، إضافة إلى إظهاره نتائج سلبية خلال التطبيق العملي. ومن الاقتراحات أيضاً: حق الطعن المباشر في الدعوى القائمة من دون أن يكون للقاضي الحق في قبول الطعن من عدمه، بل له فقط تكليف الطاعن بتقديم كفالة عدلية خلال مدة محددة، وهذا معمول به في كثير من المحاكم الدستورية مثل المحكمة الدستورية بمصر.     
ومن حيث السن، يُقترح أن يتم تعديل القانون بحيث لا يقل عمر من يحق له ممارسة القضاء الدستوري عن (45) سنة بدلاً من (50) سنة.

2- ديوان المظالم

ديوان المظالم هو المكان الذي يقدم إليه صاحب المظلمة مظلمته ويناجي من خلالها ولي الأمر طلباً لإنصافه من ظلم يعتقد أنه أصابه أو وقع عليه أو على أحد أفراد أسرته. وكان أول من انتهجه الخليفة عمر بن عبد العزيز الذي يقال إنه تولى هذا الأمر بنفسه، أما الخليفة هارون الرشيد فقد تولى ديوان المظالم في زمنه قاضي القضاة، في حين أن الخليفة في الأستانة زمن الدولة العثمانية، نظم أعمال الديوان من خلال نظام امتاز بالحداثة في أسلوب التطبيق، وأُخذ أساس النظام من الفقه الإسلامي، وطبقت الكثير من مواد مجلة "الأحكام العدلية"، وبقي هذا الأمر إلى عام 1892 في عهد السلطان سليم الثاني، وكان ذلك تحت الإشراف المباشر من قاضي القضاة في الدولة العثمانية.
أما في أوروبا، فلا يوجد بصريح النص قانون لديوان المظالم، ولكن هناك هيئات المجتمع المدني والنقابات ولجان حقوق الطفل والمرأة وقوانين حماية العمال ومجالس حقوق الإنسان التي تسعى لرفع الظلم. وهذا ما ينطبق على الكثير من دول العالم التي أخذ المجتمع فيها دورا في الدفاع عن الحقوق الأساسية والتبعية للإنسان والموظف والعامل.  
ويشار هنا إلى أن دولة السويد طبقت نظام وقانون ديوان المظالم وأخذت بهذه الفكرة من خلال رد الجميل للدولة العثمانية التي استضافت الملك السويدي تشارلز الثاني عشر وإعادته إلى ملكه عام 1805.

ويخلص المرء من هذا الاستعراض التاريخي الى أن ديوان المظالم ليس من مستحدثات الفكر الغربي، ولكنه من ينبوع الفكر الإسلامي. 

وفي الأردن، صدر قانون ديوان المظالم رقم 11 لسنة 2008 الذي أقره مجلسا الأعيان والنواب بمقتضى المادة 31 من الدستور وعُمل به من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية. يشتمل القانون على مواد تتعلق بـ: رئيس الديوان، وصلاحياته، وواجباته، وشروط تعيينه، ومساعديه، والموظفين العاملين في الديوان.

يتناول هذا القسم في بعده الأول: مهام الديوان وفق أحكام المادتين 12 و14 من القانون، مقارنة مهام الديوان مع صلاحيات محكمة العدل العليا، مقارنة مهام الديوان مع صلاحيات ديوان المحاسبة، مقارنة مهام الديوان مع مهام المركز الوطني لحقوق الإنسان، ومدى توافق مهام الديوان أو تعارضها مع الدستور.

أما البعد الثاني الدولي فيستعرض قانون ديوان المظالم في السعودية:

-  مهام الديوان

تنص المادة 12 من قانون ديوان المظالم رقم 11 لسنة 82 على ما يلي:

"يتولى الديوان المهام والصلاحيات التالية:

أ- النظر في الشكاوى المتعلقة بأي من القرارات أو الإجراءات أو الممارسات أو أفعال الامتناع عن أي منها الصادرة عن الإدارة العامة أو موظفيها ولا تقبل أي شكوى ضد الإدارة العامة إذا كان مجال الطعن بها قائماً قانوناً، أمام أي جهة ادارية أو قضائية أو إذا كان موضوعها منظوراً أمام أي جهة قضائية أو تم صدور حكم قضائي فيها.
  
ب- التوصية بتبسيط الإجراءات الإدارية لغايات تمكين المواطنين من الاستفادة من الخدمات التي تقدمها الإدارة العامة بفاعلية ويسر وذلك من خلال ما يقدم إليه من شكاوى بهذا الخصوص".

بالتدقيق في هذا النص وفق الفقرة (أ) فإن اختصاص ديوان المظالم ومهامه تنحصر في النظر في الشكاوى المتعلقة بأي من القرارات أو الإجراءات أو الممارسات أو أفعال الامتناع عن أي منها الصادرة عن الإدارة العامة أو موظفيها.
 
بمعنى أن الشق الأول يتعلق في قرارات وإجراءات وممارسات وحالات الامتناع، فيما يتضمن الشق الثاني أن تلك الأفعال يُشترط أن تصدر من أشخاص الإدارة العامة أو موظفيها.  

أما القيد المهم في هذا النص فجاء: "ولا تقبل أي شكوى ضد الإدارة العامة إذا كان مجال الطعن بها قائماً قانوناً أمام أي جهة إدارية أو قضائية أو إذا كان موضوعها منظوراً أمام أي جهة قضائية أو تم صدور حكم قضائي فيها".  

هنا القيد جاء بصريح النص من أنه لا يمكن إعماله إذا كان الأمر يمكن الطعن فيه أمام القضاء أو الإدارة. بمعنى أن التظلم لا يمكن تقديمه إلى القضاء إذا كانت هناك فرصة للطعن أمام القضاء المدني والجزائي والإداري على حد سواء، وكذلك التظلم لدى الإدارة إذا كان قانون الإدارة العامة ونظام العمل فيها يسمح، وعلى سبيل المثال الاعتراض على القرارات الإدارية التمهيدية أو حالات الاعتراض على التقارير السنوية أو ما شابه، فإنه لا يمكن للموظف أن يتقدم بتظلمه إلى ديوان المظالم إذا كانت مظلمته ضمن الحدود التي رسمها القانون وأشير إليها أعلاه.
أما موضوع أن يكون الأمر منظوراً أمام القضاء فهذا تحصيل حاصل، لا يصح الطعن في أمر معروض على القضاء، وهذا الأمر مستقر قضاءً وإدارةً.
 
أما الفقرة (ب) من المادة 12 التي تتضمن التوصية بتبسيط الإجراءات الإدارية لغايات تمكين المواطنين من الاستفادة من الخدمات التي تقدمها الإدارة بيسر وفاعلية، فهي فكرة جيدة من أجل الخروج من الروتين القاتل لبعض الإدارات، إلا أن النص جاء عاجزاً عن حالة إجبار الإدارة للتسهيل على المواطنين، لذلك فهو بحاجة إلى تفعيل من خلال الأنظمة بحيث تكون قرارات الديوان ملزمة للإدارة مع أن الفقرة (د) من المادة 15 أعطت الحق لرئيس ديوان المظالم مخاطبة رئيس الوزراء ووضعه بصورة عدم تعاون الدائرة معه في موضوع البيانات والمعلومات التي يرغب الاطلاع عليها والسؤال هنا: ما الإجراءات اللازمة التي سيقوم بها رئيس الوزراء مع ملاحظة عبء المسؤولية الملقاة على عاتقه بوصفه رئيس السلطة التنفيذية؟
وجاء في المادة 14:

"أ- يحق لأي متضرر من أي من قرارات الإدارة العامة أو الإجراءات أو الممارسات أو أفعال الامتناع عن أي منها أن يتقدم بالشكوى في مواجهة الإدارة العامة أمام الديوان وفق الأحوال والإجراءات المبينة في هذا القانون.
 
ب- يباشر الديوان التحقق من الشكاوى والتظلمات المقدمة إليه بموجب نموذج معتمد لهذة الغاية يشتمل على موجز عن وقائعها وأسبابها والجهة التي أصدرتها معززا بالوثائق والمستندات المؤيدة لها إن وجدت، على أن يكون هذا النموذج موقّعا من مقدم الشكوى أو ممثله القانوني.
 
ج- يصدر رئيس الديوان قراره بقبول الشكوى المقدمة إليه أو رفضها على أن يكون قراره معللا ومسبباً في أي من الحالتين".

هذه المادة رسمت طريق التظلم من حيث الحق في تقديم الشكوى وفق النموذج المعتمد ومباشرة الديوان للتحقيق بالشكوى والبينة التي يجب أن تقدَّم معززة بالوثائق والمستندات المؤيدة والجهة التي أصدرتها وأن يكون موقّعاً من المشتكي أو من يمثله قانوناً.

- محكمة العدل العليا

ورد في المادة 100 من الدستور: "تُعَين أنواع المحاكم ودرجاتها وأقسامها واختصاصاتها وكيفية إدارتها بقانون خاص، على أن ينص هذا القانون على إنشاء محكمة عدل عليا". وبالرجوع إلى قانون محكمة العدل العليا رقم 12 لسنة 1992 وتعديلاته رقم 2 لسنة 2000 وتحديداً المادة 9 التي جاء فيها: "تختص المحكمة دون غيرها في الطعون المقدمة من ذوي المصلحة" والمتعلقه بما يلي:
"1- الطعون بنتائج انتخابات مجالس الهيئات التالية: البلديات، غرف الصناعة والتجارة والنقابات، والجمعيات والنوادي المسجلة في المملكة، وفي سائر الطعون الانتخابية التي تجري وفق القوانين والأنظمة النافذة المفعول.

2- الطعون التي يقدمها ذوو الشأن في القرارات الإدارية النهائية الصادرة بالتعيين في الوظائف العامة أو المتعلقة بالزيادة السنوية، أو بالترفيع أو بالنقل أو الانتداب أو الإعارة.

3- طلبات الموظفين العموميين بإلغاء القرارات النهائية الصادرة بإحالتهم على التقاعد أو الاستيداع أو بفصلهم من وظائفهم أو فقدانهم لها أو إيقافهم عن العمل بغير الطريق القانوني.

4- طلبات الموظفين العموميين بإلغاء القرارات النهائية الصادرة بحقهم من قبل السلطات التأديبية.

5- المنازعات الخاصة بالرواتب والعلاوات والحقوق التقاعدية المستحقة للموظفين العموميين أو للمتقاعدين منهم أو لورثتهم.

6- الطعون التي يقدمها أي متضرر بطلب إلغاء أي قرار أو إجراء بموجب أي قانون يخالف الدستور أو أي نظام يخالف الدستور أو القانون.

7- الطعون التي يقدمها أي متضرر بطلب وقف العمل بأحكام أي قانون مؤقت مخالف للدستور أو نظام مخالف للقانون أو الدستور.

8- الطعون والمنازعات والمسائل التي تعدّ من اختصاص المحكمة بموجب أي قانون آخر.

9- الدعاوى التي يقدمها الأفراد والهيئات بإلغاء القرارات الإدارية النهائية.

10- الطعن في أي قرار إداري نهائي حتى لو كان محصّنا بالقانون الصادر بمقتضاه.

11- الطعن في أي قرارات نهائية صادرة عن جهات إدارية ذات اختصاص قضائي في ما عدا القرارات الصادرة عن هيئات التوفيق والتحكيم في منازعات العمل.

- تختص المحكمة في طلبات التعويض عن القرارات والإجراءات المنصوص عليها في الفقرة (أ) السابقة سواء رفعت إليها بصفة أصلية أو تبعية".

وبالتدقيق في النص أعلاه ومقارنته بنص المادتين 12 و14 من قانون ديوان المظالم، فإن محكمة العدل العليا تختص اختصاصاً محدداً بالطعن من ذوي المصلحة في أمور محددة حصراً، أما قانون ديوان المظالم فإن النصوص جاءت فيه فضفاضة، وبالتالي فإن مسألة التمييز ما بين عدم جواز الطعن أو التظلم إذا كان مرده القضاء أو معروض على القضاء فيها لبس وغموض يجب إزالته.   

- المركز الوطني لحقوق الإنسان

صدر قانون المركز الوطني لحقوق الإنسان في عام 2002 بموجب القانون المؤقت رقم 75 لسنة 2002، وتم إقراره عام 2003 ضمن مجموعة قوانين بعد إجراء بعض التعديلات. ومن أهم ما جاء فيه من حيث الأهداف والواجبات، تلك الواردة في المادتين 4 و5 من القانون من مثل: تعزيز مبادئ حقوق الإنسان باستلهامها رسالة الإسلام رسالة التسامح، وترسيخ هذه المبادئ وتعزيز النهج الديمقراطي والتحقق من مراعاة حقوق الإنسان وتدريسها وعقد المحاضرات والندوات وتبادل المعلومات والخبرات ووضع التوصيات والاقتراحات.
وقد نهض المركز وبمنتهى المسؤولية بواجباته، وهو يقدم تقاريره بشكل منتظم.

وكما يتبين للقارئ، فإن البعد الإنساني هو طابع المركز الوطني، والبعد الإداري والقانوني هو طابع ديوان المظالم. وقد يكون هناك بعض التقاطعات في الواجبات لكل منهما، لكنهما في النتيجة مختلفان في المهام، وقد لا يوصف بأنهما مكملان لبعضهما بعضا.  

- ديوان المحاسبة 

لأهمية ديوان المحاسبة، فقد نُصّ على إنشائه في المادة 119/1 و2 من الدستور، والتي جاء فيها: "يشكل قانون ديوان المحاسبة لمراقبة إيراد الدولة ونفقاتها وطرق صرفها:

1. يقدم ديوان المحاسبة إلى مجلس النواب تقريراً عاماً يتضمن آراءه وملحوظاته وبيان المخالفات المرتكبة والمسؤولية المترتبة عليها وذلك في بدء كل دورة عادية أو كلما طلب مجلس النواب منه ذلك.

2. ينص القانون على حصانة رئيس ديوان المحاسبة".
 
وبالرجوع إلى القانون رقم 28 لسنة 52 والمؤقت رقم 3 لسنة 2000 وتعديلاته بعد إقراره عام 2002 والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 1105 في 16/4/52 والجريدة الرسمية عدد 4533 في 17/2/2002، جاء في مهام الديوان وفق المواد 2 و3 و4: إنه دائرة مستقلة وظيفته مراقبة واردات الدولة ونفقاتها وحساب الأمانات والسلفات والقروض والمستودعات وتقديم المشورة في المجالات المحاسبية والرقابة على الأموال العامة.
وتشمل الرقابةُ الوزاراتِ والدوائر والمؤسسات العامة والبلديات وأي جهة يقرر مجلس الوزراء رقابة الديوان عليها، حيث جاء في المادة الخامسة من قانون ديوان المحاسبة ما يلي:

"أ- يعين رئيس ديوان المحاسبة براتب الوزير العامل وعلاواته، ويمارس صلاحيات الوزير في تنظيم الديوان وإدارة أعماله ومراقبة إنفاق مخصصاته وفي تعيين الموظفين وترفيعهم ونقلهم ومنحهم الإجازات وفي ما يتعلق بتطبيق نظام الانتقال والسفر عليهم وإحالتهم على التقاعد واتخاذ الإجراءات التأديبية بحقهم.

ب- عند تغيب رئيس ديوان المحاسبة ينوب عنه في ممارسة صلاحياته وكيل ديوان المحاسبة".

بالتدقيق في هذا نص المادة 5 من قانون ديوان المحاسبة، فإن حصانة رئيس ديوان المحاسبة جاءت بشكل مباشر، وهي عدم جواز عزله أو نقله أو إحالته على التقاعد أو فرض عقوبات مسلكية عليه إلا بموافقة مجلس النواب إذا كان المجلس مجتمعاً أو بموافقة الملك بناء على تنسيب مجلس الوزراء إذا كان المجلس غير مجتمع.
 
إن رقابة ديوان المحاسبة هي رقابة مالية محضة وتندرج تحت مظلة المحافظة على المال العام، وإن الأهمية القصوى للديوان هي تلك الحصانة الممنوحة لرئيسه، أما من حيث الواجبات والمهام فهي مالية بحتة، في حين أن مهام ديوان المظالم إدارية وقانونية إلى حد ما.
 
لقد خطا الأردن خطوات واسعة في مجال الرقابة العامة، مثل إنشاء هيئة مكافحة الفساد التي سبقها ديوان الرقابة والتفتيش الذي حُلّ في عام 2002، وكذلك إنشاء وزارة تطوير القطاع العام ومركز المظالم التابع لمديرية الامن العام. كل هذه الأمور تجعل التوجهات سليمة من الناحيتين القانونية والدستورية، ورغم كثرة التشعبات وتداخل الاختصاصات وعدم وضوح الرؤية أحيانا إلا أنها تصب بالنتيجة في مصلحة الدولة والمواطن.

- السند الدستوري لإنشاء ديوان المظالم

رغم عدم وجود نص صريح في الدستور لإنشاء ديوان للمظالم، إلا أن الدستور أشار إلى حق المواطن في التظلم ومخاطبة السلطات في ما ينوبه، حيث جاء في المادة 17: "للأردنيين الحق في مخاطبة السلطات العامة في ما ينوبهم من أمور شخصية أو في ما له صلة بالشؤون العامة بالكيفية والشروط التي يعينها القانون". وعليه، فإن قانون ديوان المظالم وبقية المراكز المشار إليها سابقا تستمد قانونيتها من هذا النص الدستوري.  
أما البعد الثاني (الدولي)، فيتضمن إجراء مقارنة ما بين ديواني المظالم في الأردن والسعودية، حيث هنالك بعض الفروقات في الاختصاصات ومدى قدرة ديوان المظالم على تحقيق الأهداف المرجوة.

فقد صدر نظام ديوان المظالم في المملكة العربية السعودية، بالمرسوم الملكي رقم م/51 بتاريخ 17/7/1402 هـ ونُشر بالجريده الرسمية  (أم القرى) في العدد 2918 بتاريخ 28/7/1402 هـ. ويمكن نقل المواد التالية منه لصلتها المباشرة بهذه الدراسة:

"المادة الأولى: ديوان المظالم هيئة قضاء إداري مستقلة، يرتبط مباشرة بالملك، يتألف من رئيس بمرتبة وزير، ونائب رئيس أو أكثر، وعدد من النواب المساعدين".
 
"المادة الثالثة: يعين رئيس الديوان وتنتهي خدماته بأمر ملكي، وهو مسؤول مباشر أمام الملك (خادم الحرمين)".

"المادة الثامنة: يختص ديوان المظالم بالفصل بما يلي:

أ‌. الدعاوى المتعلقة بالحقوق المقررة في نظم الخدمة المدنية والتقاعد لموظفي ومستخدمي الحكومة والأجهزة ذوات الشخصية المعنوية العامة المستقلة أو ورثتهم والمستحقين عنهم.

ب‌.  الدعاوى المقدمة من ذوي الشأن بالطعن في القرارات الإدارية متى كان مرجع الطعن عدم الاختصاص أو وجود عيب في الشكل أو مخالفة النظم واللوائح أو الخطأ في تطبيقها أو تأويلها أو إساءة استعمال السلطة. ويعدّ في حكم القرار الإداري رفض السلطة الإدارية أو امتناعها عن اتخاذ قرار كان من الواجب عليها اتخاذه طبقاً للأنظمة واللوائح.

ت‌.  دعاوى التعويض الموجهة من ذوي الشأن إلى الحكومة والأشخاص ذوي الشخصية العامة المستقلة بسبب أعمالها.

ث‌.  الدعاوى المقدمة من ذوي الشأن في المنازعات المتعلقة بالعقود التي تكون الحكومة أو أحد الأشخاص المعنوية طرفاً فيها.

ج‌.  الدعاوى التأديبية التي ترفع من هيئة الرقابة والتحقيق.

ح‌. الدعاوى الجزائية الموجهة ضد المتهمين بارتكاب جرائم التزوير المنصوص عليها نظاماً، والجرائم المنصوص عليها في نظام مكافحة الرشوة، والجرائم المنصوص عليها في المرسوم الملكي رقم 43 وتاريخ  29/11/1377هـ، والجرائم المنصوص عليها في نظام مباشرة الأموال العامة الصادر بالمرسوم الملكي رقم 77 وتاريخ 23/10/1395هـ، وكذلك الدعاوى الجزائية الموجهة ضد المتهمين بارتكاب الجرائم والمخالفات المنصوص عليها في الأنظمة إذا صدر أمر من رئيس مجلس الوزراء إلى الديوان بنظرها.

خ‌.  طلبات تنفيذ الأحكام الأجنبية.

د‌. الدعاوى التي من اختصاص الديوان بموجب نصوص نظامية خاصة.

ذ‌. طلب المحاكم الأجنبية إيقاع الحجز التحفظي على ممتلكات أو أموال داخل المملكة".

"المادة التاسعة: لا يجوز لديوان المظالم النظر في الدعاوى المتعلقة بأعمال السيادة، أو الاعتراض على ما يصدر عن المحاكم".

وبذلك، فإن ديوان المظالم في السعودية جهة قضائية إدارية على درجة واحدة، وتتشابه اختصاصته في أمور كثيرة مع قانون محكمة العدل العليا في الأردن.

أما ديوان المظالم في الأردن فهو حديث النشأة ويحتاج إلى وقت كافٍ حتى تستقر صلاحياته وتوجهاته وتوصياته، إذ إن هذا الديوان لا يملك أي صلاحيات تنفيذية ولا يستطيع أن يصدر أحكاما، فهو ليس جهة قضائية ولا جهة إدارة تنفيذية، وكل ما في الأمر أنه يصدر التوصيات ويباشر التحقيقات، ووفق أحكام المواد 18 و 19 و20 فإن الرئيس وبعد استكمال إجراءاته وإذا تضمنت مخالفة القانون أو الاهمال أو عدم الانصاف أو عدم تحقيق المساواة أو غير قانونية أو إهمال أو تقصير أو الخطأ فإنه يقوم بكتابة تقرير مفصل إلى الإدارة المشكو منها، وله الحق في تقديم التوصيات، إضافة إلى أن الرئيس له الحق في تضمين ما ورد من مخالفات ضمن التقرير السنوي بنتائج أعماله.
وبالتالي، فإن ديوان المظالم في ظل قانونه الحالي والأنظمة المعمول بها، لا يمكن أن يساهم في التخفيف من حجم القضايا والشكاوى الإدارية التي يتم تقديمها إلى جهات قضائية سواء كانت إدارية أو غيرها، وإن محكمة العدل العليا خطت خطوات واسعة وأصبحت بصماتها واضحة في استقرار القواعد القانونية الإدارية.
 
لذلك فإن قانون ديوان المظالم يحتاج إلى التعديلات المشار إليها آنفاً. 
 
3- هيئة مكافحة الفساد

في نظرة قانونية متفحصة وبالاستدلال والمراجعة والتقييم لقانون هيئة مكافحة الفساد رقم 62 لعام 2006، وكذلك لمشروع القانون الموجود في ديوان التشريع وما تم إقراره من قبل مجلس الوزراء حول الأسباب الموجبة وبعض المقالات في الصحف اليومية أو الإلكترونية المنشورة أو غير المنشورة أو التعليقات أو الندوات، فإن القارئ القانوني الجيد الحافظ لحدود القانون والدستور يرى الكثير من المخالفات الدستورية في قانون مكافحة الفساد، وفي الوقت نفسه يلحظ أن هناك إيجابيات كثيرة في القانون. كما يرى تناقضا في النصوص القانونية، إضافة إلى توسيع في الصلاحيات على حساب صلاحيات أخرى وتداخُل في الأحكام والصلاحيات، فقانون هيئة مكافحة الفساد لا يمنحها سلطة قضائية أو صلاحيات الضابطة العدلية كاملة، أو يتيح لها عملاً منظماً لا يسوده التشويش. 


ويمكن إبداء الملاحظات التالية على القانون:

بشأن المادة (3/1)، إن ارتباط الهيئة برئيس الوزراء مع الاستقلال المالي والإداري للهيئة لا يستقيمان دستورياً ولا قانونياً، إذ إن الهيئة ستبقى تحت "رحمة" رئيس الوزارء.

أما المادة (4)، الفقرة (د)، والمتعلقة بمكافحة اغتيال الشخصية، فهذا النص يشكل وصاية على الأشخاص مع أن القانون الأردني بشقيه الجزائي والمدني حدد بوضوح حالات الطعن والتقاضي لدى أي متضرر سواء كان شخصا طبيعيا أو معنويا، والنصوص كثيرة جداً في القانون المدني وقانون العقوبات وفق مبدأ التعويض و/ أو العقوبات و/ أو مجتمعين. 
وحول المادة (5)، يمكن التوصية بشطب الفقرات (أ وب وج)، لأن قانون العقوبات هو صاحب الحق في ذلك (وليس هيئة مكافحة الفساد).

هذه المادة والفقرات فيها غير دستورية لتناقضها مع حق التقاضي ومبدأ  علنية المحاكمات ومبدأ سيادة القانون ومبدأ فصل السلطات.
 
وبشأن إساءة استعمال السلطة الوارد في الفقرة (هـ)، فهذا من اختصاص محكمة العدل العليا. أما الفقرة (ز) المتعلقة بالأفعال الواردة في الاتفاقيات الدولية، فثمة سؤال بشأنها: هل جميع الاتفاقيات الدولة مصادق عليها من قبل البرلمان؟ وهل تحمّل الاتفاقيات الدولية خزينة الدولة أي أموال أو أنها تُضْعف الصفه السيادية؟ لذلك فإن هذه الفقرة تخالف الدستور.  
ويُقترح شطب المادة (6)، فبعد التعديلات الجديدة على الدستور لم يعد أحد فوق القانون، ولم تعد هناك محاكمات استثنائية إلا في حالة انعقاد مجلس النواب من أجل محاكمة النواب في زمن معين، وحبذا لو يتم شطب النص الذي يوقف ملاحقة أعضاء السلطة التشريعية خلال انعقاد دورات المجلس التشريعي.
 
وتنطوي الفقرة (ب) من المادة (7) على مخالفة دستورية وقانونية لا يمكن تصورها، فمنح هيئة مكافحة الفساد سلطة منع السفر والحجز والتعقب وطلب كف اليد ووقف صرف الرواتب، لا يستقيم أمام دولة القانون، لأن صلاحيات منع السفر أو الحجز هي صلاحيات قانونية محددة في قانون أصول المحاكمات الجزائية في حالات المؤسسات العامة، وفي قانون أصول المحاكمات المدنية فإن الحجز ومنع السفر إلى غير ذلك منظم بقانون من دون المساس بحقوق البشر. 
وبشأن الفقرة (د) من المادة (7)، ما القرارات التي ستصدرها الهيئة خلال ثلاثة شهور؟ حيث أن كلمة "قرارات" فضفاضة، ويا حبذا إلغاء النص.  أما المادة (11) فيُقترَح إلغاء الفقرة (7) منها والتي جاء فيها: "اتخاذ القرارات اللازمة بخصوص قضايا الفساد بما في ذلك إحالتها للجهات القضائية"، فمن الأفضل لو أن الفقرة تضمنت فقط إحالة قضايا التحقيق في الفساد إلى الجهات القضائية، لأن القانون في المادة 16 يقول: "إن هيئة مكافحة الفساد هي ضابطة عدلية"، فلا يستقيم قرار يصدر من ضابطة عدلية.  
كما يُقترَح أن يكون طلب البيانات أو المعلومات الوارد في الفقرة (أ) من المادة (17)، بموافقة المدعي العام. ويمكن شطب المادة الفقرة (ب) من المادة نفسها، لأن الهيئة ليست قضائية حتى تعاقب بالحبس أو الغرامة، ولا بد أن يطبق قانون العقوبات من قبل القضاء عند عدم التعاون.
  
ويُقترَح شطب الفقرة (ب) من المادة (19)، والمتعلقة بالمساعدات والهيئات والمنح، لأن ذلك يؤثر سلباً في وضع هيئة مكافحة الفساد.  

وهناك في المادة (28/1)، تناقض مع مبدأ سقوط العقوبة، فإذا كان القانون قد أسقط العقوبات الجنائية في أفعال القتل بالتقادم فكيف يتم إنشاء استثناء على ذلك في "دولة القانون"، فالتقادم حق للجميع، وهذا النص مخالف للدستور.     

 اقتراحات

يقترح الباحث إنشاء محكمة خاصة بالفساد يصدر قانونها بتعديلات دستورية لأجل هذا الفساد، ويكون قانونها ضمن حدود الدستور، وأن تكون تحت مظلة السلطة القضائية، وأن يكون أعضاؤها ممن تنطبق عليهم شروط القاضي المدني أو الإداري أو الدستوري ووفق ما يتقرر.

وإلى أن يتم ذلك يُقترَح أن تكون هيئة مكافحة الفساد هيئة مستقلة مالياً وإدارياً غير مرتبطة برئيس الوزراء، وأن يكون ارتباطها مع المجلس القضائي كهيئة وسلطة وضابطة عدلية بقانون يمنحها سلطات واسعة كما هو وارد في قانونها بشرط ألاّ يخالف قانون الدستور.
 

 

 
(الإستوبيل) في القانون الدولي العام PDF طباعة أرسل إلى صديق

مركز الرأي للدراسات

اعداد : د.نفيس مدانات

ايلول 2013

من الطبيعي أن نتوقع من كل نظام قانوني أن ينظر بعدم الرضا إلى التناقضات الحاصلة في التصريحات أو القرارات أو الأعمال والسلوكات المتتابعة الصادرة عن أحد رعاياه، وأن لديه قاعدة قانونية خاصة تمنع أحد الأطراف أن يتراجع عمّا قاله سابقا، أو عمله، أو جعل غيره يعتقده، عندما يكون بذلك قد أظهر قصده الحقيقي بوضوح، وكان قد دفع طرفا آخر كي يعمل أو يمتنع عن العمل، ونتج عن ذلك تعديلٌ في مركزيهما.

وعلى مثال الأنظمة القانونية الوطنية، نجد أن القانون الدولي العام، كان قد قرر، بقصد الحفاظ على الأمن الحقوقي في النظام الدولي، الشروط التي يتم بموجبها مواجهة أحد الأطراف في مثل هذه الفرضية بأحد أعماله السابقة.

مؤسسة “الإستوبيل” (Estoppel) هي مؤسسة حقوقية إنجليزية كان القانون الدولي قد استقبلها بالطريق العرفي.

“الإستوبيل” كما يرى «شارل فاليه» (Charles Vallee) هو اصطلاح إجرائي مستعار في اللغة الإنجليزية يصف الاعتراض الحاسم في مواجهة أحد الأطراف في دعوى والذي اتخذ موقفاً يتناقض مع ما سمح به سابقاً صراحة أو ضمناً، و/ أو ما يدعي دعمه في الدعوى نفسها.

أما أنه اصطلاح إجرائي، فهذا مؤكد تماماً، وعلى النحو نفسه هو «مستعار» بالتأكيد، ليس فقط «من اللغة الإنجليزية»، لكن أيضا –وبالأكثر– من القانون «الإنجلو-ساكسوني».

وهاتان الخاصتان هما من دون شك الأكثر معرفة لهذا «الاعتراض الحاسم». إلا أن فحصاً نابهاً للاجتهاد الدولي ودراسة للفقه تقودنا إلى التفكير بأن “الإستوبيل” يتجاوز هذا الوصف بالاعتراض الإجرائي البسيط، كما أنه إذا كان صحيحاً بأن التقنية الإجرائية التي أخذت اسم “الإستوبيل” موجود أصلها في القانون الإنجليزي، فإن الفكرة الأساسية لها أكثر قدماً، حيثُ أنها موجودة دائماً، ونجد آثارها في القانون الروماني (Post-Romain)، وفي القانون الكنسي (Canonique) على شكل الحكم أو الأقوال المأثورة يرويها لنا «بوشنباشر» (Buchenbaches) على النحو التالي: Quod semel placuit) amplius desplicere non potest)، أي: «ما يعجبك اليوم لا يجوز أن تقول غداً إنه لا يُعجبك» (Mutare concilium quis non potest in atterius)، بمعنى: لا تُعْطِ نصيحة تضّر بها آخر.
وإذا كان “الإستوبيل” قد انفرض كقاعدة إثبات على أصحاب المهنة، فهو مطابق قبل كل شيء، لنوع من المفهوم الاجتماعي والإلغائي للقانون، وهذا المفهوم يتجاوز المجال الضيق للإجراء، وهو ينسجم مع قاعد «الإحساس العام»، التي بموجبها «عندما تهمل بشكل مستمر ومتكرر، ذكر الحق، أو تتصرف بشكل يُناقض هذا الحق، فإن هذا الحق ينطفئ».

(هناك تردد حول الطبيعة القانونية لاصطلاح «الإستوبيل»، فقد وصفه (M.J.Lang) بأنه «مؤسسة» (Institution) ، وتم التحدث أيضاً عنه بوصفه «مبدأ»، والمقصود أنه مبدأ قانوني عام وفق المادة (38) من نظام محكمة العدل الدولية، الذي بحسبه «لا يمكن لدولة أن تستفيد، وفق مصلحتها الآنية، من سلوكاتها المتناقضة»، كما استخدم اصطلاح «المذهب» (Doctrine)، كما هي حال الرأي المنفرد للقاضي «الفارو» (AL Faro) في قضية «المعبد» (Vihear-Preah) الصادر عن محكمة العدل الدولية، كما يُطلق على “الإستوبيل” تعبير «نظرية» (Theorie).
ولما كان اجتهاد كل من محكمة العدل الدولية الدائمة ومحكمة العدل الدولية قد أورد ذكر “الإستوبيل”، وكذلك الاجتهاد التحكمي، فهذا يُؤكد فائدة دراسته.

الطبيعة القانونية والأثر

 يُعرف “الإستوبيل” على النحو التالي: «عندما يكون أحد الأطراف من خلال تصريحاته، أو أعماله أو سلوكاته، قد أدى بطرف آخر إلى الاعتقاد بوجود حالة معينة من الأشياء، وقد دفعه للعمل أو إلى الامتناع عن العمل بناءً عليها، بحيث أنه قد نتج عنها تعديل في مراكزهما (على حساب ضرر للثاني، أو ميزة للأول، أو أن يحدث الأمران معاً)، فالأول يُمنع بـِ”الإستوبيل” أن يُثبت في مواجهة الثاني حالة من الأشياء تختلف عما كان قد قدمه في السابق بأنه موجود.
وفي ما يخص طبيعة “الإستوبيل” وأثره في القانون الدولي يُطرح التساؤل التالي: هل يُشكل “الإستوبيل” وسيلة بسيطة للدفاع (دفعاً بعدم القبول أو دفاعاً عن الأساس) يسعى لتعطيل إثبات وقائع معينة، وبالنتيجة لمعاقبة صحة وضع قانوني، أم إنه يمكن أن يكون أساساً لدعوى قضائية، أي أن يكون له دور كبير كمبدأ مولد أو ناقل للحقوق والالتزامات؟

المحاكم الدولية لم تفصل في هذا الموضوع بصراحة، لكن إذا ألقينا نظرة على القضايا التي فصلت فيها نجد أنه قد تم النظر إلى “الإستوبيل” دائماً كوسيلة دفاع فقط.

فلو استعرضنا اجتهاد محاكم التحكيم الدولية، نجد أن المحكمين اعتبروا أن “الإستوبيل” يجب أن يقوم بالوظيفة نفسها التي يقوم بها في القانون الداخلي. ففي قضية «الغويانا البريطانية» (Guyane Britannique) كان أحد المحكمين قد سأل محامي فنزويلا، في ما إذا كان قد قصد عندما ذكر “الإستوبيل” أن «بريطانيا توقف من أن تقول أي شيء خارج خط بالميرستون Palmerston» وبالنتيجة «فإن أي حق مختلف لا يمكن تأكيده».
وفي قضية «كورفايا» (Corvaia) نجد أن المحكم الذي تم اختياره إما من القاضي أو المحكمين من أجل إبطال تعادل الأصوات في حالة عدم الاتفاق، كان أعلن أن فنزويلا لم تكن بالتأكيد قد أوكلت وظيفة رسمية مهمة لـ «كورفايا» لو لم تكن على قناعة مبررة بأنه قد تخلى عن جنسيته الإيطالية الأصلية، وأن إيطاليا بالتالي «توقف، بأن تدعي بأن كورفايا هو مواطنها.... ولا يمكن قول ذلك......».

وفي قضية «تينوكو» (Tinoco) كان المحكم الوحيد قد رفض “الإستوبيل” الذي قدمته «كوستاريكا» (Costa Rica) مشيراً إلى التعريف الدقيق لـ»الإستوبيل العادل» (أي “الإستوبيل” بالعرض Estoppel by representation) الموجود في القانون الإنجلو- أميركي، لافتاً النظر إلى أن «الإستوبيل العادل لإثبات الحقيقة يجب أن يُبقي على السلوك السابق للشخص الذي يجب أن يوقف، والذي أدى بالشخص الذي يدعي بالإستوبيل إلى وضع ستسبب فيه الحقيقة أذى له».
وفي قضية «شوفيلد» (Shufeldt) كان المحكم الوحيد قد اعتبر أن عقد الالتزام موضوع البحث قد تلقى في الأصل موافقة البرلمان الضرورية لشرعيته، لكنه تمسك بإضافة جدل الولايات المتحدة في القضية والمؤسس على “الإستوبيل” موافق لمبادئ القانون الدولي وأنه يمكن أخذه ُ في الحسبان، مُبيناً «أن حكومة جواتيمالا قد اعترفت بشرعية العقد لست سنوات وتلقت كل الفوائد المخولة لها بالعقد، وسمحت لـ (شوفيلد) أن يستمر بإنفاق الأموال على الامتياز، فهي بالتالي ممنوعة من أن تُنكر مشروعيته، حتى لو أن تصديق المشرع لم يُعْطَ له».
أما محكمة العدل الدولية في لاهاي، فقد اعترفت صراحةً عبر ثلاث قضايا بالدور الإجرائي الصرف الذي يجب أن يلعبه “الإستوبيل” في القانون الدولي، كالدفع بعدم القبول، أو الدفع بعدم سماع الدعوى.

ففي قضية «النظام القانوني لجرين لاند الشرقية»، حكمت المحكمة بأنه: «لا يمكن أن يكون هناك سبب للتمسك بذلك بسبب السلوك الذي تبنته الحكومة الدنماركية، فقد أقرت أنها لا تملك أي سيادة على الجزء غير المستعمَر في جرين لاند، وتبنّت فكرة توقفها عن الادعاء بذلك، كما تدعي به في الوقت الحالي في هذه القضية بأن الدنمارك تملك سيادة قديمة مقامة على كل جرين لاند».

وفي قضية «معبد برياه فيهيار» (Temple de preah Vihear)، حيث أن كمبوديا قد استندت إلى “الإستوبيل” وقالت: «حتى لو كان هناك أي شك في ما يخص قبول (سيام) لخريطة عام 1908، وبالنظر إلى الحدود المبيّنة عليها، فإن المحكمة تعد على ضوء مجريات الأحداث، أن (تايلاند) الآن ممنوعة بسلوكها من التأكيد أنها لم تقبلها. وأنه ليس مسموحاً الآن لتايلاند، وهي ما زالت مستمرة بالمطالبة وتتمتع بفوائد التسوية، أن تُفكر أنها لم تكن أبداً طرفاً راضياً بالخريطة».
وفي قضية (Barcelona Traction)، كانت محكمة العدل الدولية قد وصفت جدل “الإستوبيل” المقدم من إسبانيا «بالدفع المؤسس على الإستوبيل من أجل تعطيل كل دعوى لاحقة أمام المحكمة» (Plea of estoppel precluding further action before the court ) مذَكّرة أنها أكدت أن بلجيكا، بسبب سلوكها، موقوفة الآن أو ممنوعة من أن تُنكر ذلك بسبب أنها تخلت عن كل حق في ما بعد لإقامة أي دعوى.
نستخلص مما ذُكر، أن “الإستوبيل” المعرف بدقة يبدو على المستوى الدولي قاعدةً إجرائية في قسم إدارة البينات، وهو يعمل فقط كوسيلة دفاع، ومما يؤكد ذلك تحليل الأساس القانوني لـ“الإستوبيل” في القانون الدولي.


الأساس القانوني

حول الأساس القانوني لـ“الإستوبيل” المُعرف بدقة والذي تم اعتماده على المستوى الدولي، هناك ثلاث وجهات نظر هي: حُسن النية، والمسؤولية الدولية، والاتفاق الضمني.
 
حُسن النية

 “الإستوبيل” هو قاعدة إجرائية للإثبات، بموجبها ليس بإمكان الطرف الذي أوجد لدى طرف آخر بعض المفاهيم الواقعية أن يقدم البرهان بأن هذه الوقائع لها مادية مختلفة، ولهذا فهو ممنوع عليه قانوناً أن يُحاول إقامة «حقيقة» مختلفة عما سبق، وبهذا فإن مبدأ حسن النية يُسيطر على إدارة الإثبات من خلال مؤسسة “الإستوبيل”، ويُشكل بالنتيجة أساس هذه المؤسسة التي تسعى لحماية الطرف الآخر.

من ناحية أخرى، إن حُسن النية ذو عمومية كبيرة ولا يسمح بالتالي إقامة الأساس القانوني لـ“الإستوبيل” المعُرف في القانون الدولي العام بشكل دقيق وكاف، كما يُلاحظ أن مبدأ حُسن النية يسيطر على مُجمل القانون الدولي العام، ولهذا فهو مبدأ تجريدي. كما أن حسن النية أو سوءها لدى أحد الأطراف ليس له تلك الأهمية من وجهة نظر “الإستوبيل”.

 المسؤولية الدولية

يقول حامد سلطان: «والنظام القانوني الدولي- شأنه في ذلك شأن الأنظمة القانونية الأخرى- يفرض التزامات على أشخاصه. وهذه الالتزامات واجبة النفاذ، سواءً كان مصدرها حكماً اتفاقياً أي مُثبتاً في معاهدة، أو حكماً عرفياً، أو حكماً قررته المبادئ العامة في النظم القانونية المختلفة. فإذا تخلف الشخص القانوني الدولي عن القيام بالتزامه ترتب على تخلفه -بحكم الضرورة- تحمل تبعة المسؤولية الدولية لامتناعه عن الوفاء به».
وارتباط الالتزام الدولي بحكم الضرورة بالمسؤولية الدولية أمر مُسلّم به ومُجمَع عليه.

ويضيف سلطان: «ينبني على ما سبق أن تنشأ في حالة الإخلال بالتزام دولي، رابطة قانونية جديدة بين الشخص الدولي الذي أخل بالتزامه أو امتنع عن الوفاء به، والشخص القانوني الذي حدث الإخلال في مواجهته، ويترتب على نشوء هذه الرابطة الجديدة أن يلتزم الشخص القانوني الذي أخل بالتزامه أو امتنع عن الوفاء به بإزالة ما ترتب على إخلاله من النتائج. كما يحق للشخص القانوني الذي حدث الإخلال أو عدم الوفاء بالالتزام في مواجهته، أن يُطالب الشخص القانوني الأول بالتعويض».
وهذه الرابطة القانونية بين من أخَلّ بالالتزام ومن حدث الإخلال في مواجهته، هي الأثر الوحيد الذي يترتب في دائرة القانون الدولي على عدم الوفاء بالالتزام الدولي.

وقد أجمع فقهاء القانون الدولي على إطلاق اصطلاح «العمل غير المشروع» على كل مخالفة للالتزام الدولي الذي تفرضهُ قاعدة من قواعد القانون الدولي. وعلى أن العمل غير المشروع يتطلب توافر عنصرين لوجوده:

الأول: أن يكون التصرف المعين منسوباً إلى الدولة، أي أن يكون القيام بالعمل المُعين، أو عدم القيام به، يجب أن يكون منسوباً إلى الدولة المُلتزمة.

الثاني: أن يكون هذا التصرف قد تَم مخالفاً لما تقضي به القاعدة القانونية الدولية.

من الفقهاء الذين أشاروا إلى أن “الإستوبيل” يُسجل ضمن النظرية العامة للمسؤولية الدولية، الفقيه (Witenberg L-C.)، وأيده في ذلك الفقيه (D.W.Bowett).

والسؤال هنا: أيهما يولد المسؤولية الدولية؛ “الإستوبيل”، أم الفعل غير المشروع دولياً؟

الفعل غير المشروع دولياً هو الذي يُسبب الضرر، وما دام هناك علاقة سببية بين هذا الفعل غير المشروع والضرر، فإن المسؤولية الدولية تتحقق. لذلك من غير الممكن أن تكون المسؤولية الدولية أساساً قانونياً لـ“الإستوبيل”، وهذا ما يُؤكده «شارل فاليه» (CharlesVallee)، بقوله: «يتوجب ألاّ يغيب عن بالنا أنه لا الإستوبيل ولا القبول قابلَيْن لأن تكون أفعالاً غير مشروعة، لكن السلوكات هي المولدة لهذا و ذاك». كما إن “الإستوبيل” المُعرف بدقة في القانون الدولي والمعتبر كقاعدة إجراء للإثبات يقع خارج قانون المسؤولية الدولية، وبما أنه يعدّ كوسيلة دفاع فلا يجوز الخلط بينه وبين دعاوى المسؤولية.

الاتفاق الضمني

الشخص الذي صدر عنه عرضٌ بشكل واضح وغير مُبهم، والذي عمل أو امتنع عن العمل، وقد بدّل في مركزه بناء على هذا العرض، يَظهر مقصده بوصفه حقيقة، ويستدل من ذلك أن هناك ارتباطاً تعاقدياً، وبعبارة أخرى هناك بشكل لا يمكن دحضه عقد ضمني بين من قام بالعرض ومن وُجَه إليه هذا العرض، كما يمكن إعطاء هذه الوقائع التي هي موضوع هذا العرض قيمة الحقيقة العقدية، أي لا يمكن مسها، وبالتالي ينتج عن ذلك منع نقضها بـِ“الإستوبيل”.

هناك تمييز يتوجب ذكره في هذا المجال بين “الإستوبيل” الذي هو وسيلة بسيطة للدفاع، وبين العرض المُقدم من أحد الأطراف والذي أدى إلى ولادته والذي بإمكانه أن يكون أساساً لدعوى قضائية لأنه هو المصدر لالتزام تعاقدي، وبالتالي سبب لدعوى تعاقدية في طور التنفيذ، فـَ“الإستوبيل” هنا قاعدة تسمح بقبول البراهين، وتسمح فقط لمن يثيره أن يمنع من قدم العرض من الاحتجاج أثناء الدعوى على الوقائع التي هي أساسٌ للعرض.

ونجد في القانون الدولي، أن الأعمال هي وحيدة الطرف شكلاً، لكن يجب أن يقابلها عمل آخر من النوع نفسه، أي عمل وحيد الطرف كي تنتج آثاراً قانونية، لكن هذه الأعمال إذا كانت منفصلة ليس لها أثر قانوني، لأن القانون لا يعلق على العمل الأول إلا آثاراً افتراضية، أي بشرط أن يقابلها عمل موافق لها لكي يتممها، وبعبارة أخرى أن الأثر القانوني لا يصدر مباشرة من هذا أو ذاك من هذه الأعمال منفردة، لكن العمل ينتج من تلاقيها ومن تطابقها، بحيث نجد أنفسنا أمام وضع تعاقدي.
فمن الواضح أن عملاً وحيد الطرف صادراً عن أحد الأطراف لا يؤخذ بالحسبان بخصوص “الإستوبيل” إلا إذا ارتبط بميكانيكية ذات صفة تعاقدية: فالطرف الآخر الذي اتكل على عرض الوقائع الناشئ من هذا العمل وحيد الطرف، كان قد عمل أو امتنع عن العمل بحيث أنه قد نتج عنه تعديل في المراكز التي تخص هذين الطرفين.

ومن بين فقهاء القانون الدولي الذين قدموا ملاحظات مشابهة في ما يخص “الإستوبيل” في القانون الدولي العام، الفقيه «جاك لانغ» (Jack Lang)، فهو يرى مُشيراً إلى القرارات التي صدرت عن محكمة لاهاي مثل قضية (Barcelona Traction) وقضية (Plaleau Continental de la mer du Nord)، أن هذه المحكمة كانت ترى في “الإستوبيل” في هذه القضايا شكلاً خاصاً لإنشاء علاقة عقدية، وقد أيد هذا التحليل الفقيه و(Charles Vallee) .
كذلك، يجب أن نذكر التمييز الذي يقيمه النظام القانوني الدولي، بين الوقائع القانونية والأعمال القانونية: فالواقعة القانونية هي أي فعل يأخذه القانون الدولي في الحسبان ليعلّق عليه آثاراً قانونية، إذن بتدخّل من قاعدة في القانون الدولي نجد أنّ فعلاً له أصل في ظاهرة طبيعية أو أنه يجد مصدره في سلوك إنساني، يصبح واقعة قانونية دولية.

وبعكس الوقائع القانونية التي تؤدي ببساطة إلى تطبيق القواعد القانونية الموجودة، نجد أن الأعمال القانونية بناءً على القانون، مولدة للحقوق والالتزامات، أي قواعد قانونية جديدة. وهي تتضمن مظهراً للإرادة صادراً عن شخص أو أشخاص القانون الدولي ومخصصة لخلق قاعدة يعلق عليها القانون الدولي آثاراً قانونية تتوافق مع الإرادة المعُبر عنها. وهي بالنتيجة تتميز بسهولة عن الوقائع القانونية.

السؤال هنا: هل يعترف القانون الدولي العام بالمظاهر الضمنية للإرادة؟

هذا السؤال له أهمية خاصة بما يتعلق بمشروعية وجهة النظر القائلة إن “الإستوبيل” قاعدة إجرائية تتعلق بقبول الإثبات ويسمح للمحاكم الدولية أن تُقرر في ما إذا كانت هذه العناصر المختلفة قد اجتمعت، وتُعاقب بالتالي القوة الإلزامية لاتفاق ضمني وثنائي الأطراف.

وللإجابة عن هذا التساؤل يقول «جان بول جاكي» في دراسة أجراها للاجتهاد الدولي: «إن القاضي الدولي يأخذ بالحسبان السلوكات الإيجابية والسلبية للدول ويعلق عليها بعض النتائج القانونية». ويُضيف:»مثل هذه السلوكات تدخل في عالم القواعد الحقوقية وتُنشئ حقوقاً والتزامات»، ثم يتساءل في ما إذا كان من الجائز ضمن هذه الشروط أن نُشبّه السوكات بالأعمال القانونية؟ مؤكداً أن مثل هذا التشبيه غير ممكن إلا بشرط أن يترجم السلوك مظهراً لإرادة أحد أشخاص القانون الدولي. ويلاحظ أيضاً أن القاضي يُفسر غالباً سلوكات الدولة بأنها مظهر للإرادة، وأنه ليس هناك من فقيه يُعارض إمكانية أن تكون السلوكات الإيجابية مظهراً ضمنياً للإرادة، لكن هناك بعض المُعلقين يرى أن السكوت لا يمكن أن يعد مظهراً للإرادة بأي حال، أما الفقية «جان بول جاكي» فقد لفت النظر إلى أنه «في أغلب الحالات، يكون السكوت تعبيراً عن رضا ضمني أكثر منه عن سلوك سلبي صرف». أي بمعنى أنه مظهر لإرادة خلاقة.
ويصل «جان بول جاكي» إلى أن العديد من السلوكات تُظهر ضمنياً إرادة الدولة، ويُعلن على وجه الخصوص (بعد أن تطرّق لمسألة إسناد هذه السلوكات إلى جهاز مؤهل حتى يُلزم الشخص القانوني الدولي الذي يُمثله)، قائلاً: «وهكذا فإن جملة من السلوكات التي تُعزى لشخص من أشخاص القانون الدولي يمكن أن تشكل مظهراً ضمنياً للإرادة، وتؤدي إلى ولادة قاعدة قانونية دولية»، فالمقصود عندئذٍ عمل حقوقي.

فإلى جانب الأعمال الصادرة عن إعلان الإرادة، نجد أن هناك أعمالاً قانونية «ضمنية»، وهذه الأعمال يمكن أن تكون أعمالاً وحيدة الطرف أو اتفاقيات دولية.

إن فحصاً للعمل الدولي يسمح بتأكيد أن عرضاً للأشياء قابلاً لأن يؤدي إلى أثر “الإستوبيل”، يمكن أن ينشأ من العمل الإيجابي لطرف ما (أي في اللغة المكتوبة أو المتحدث بها، وبشكل عام، من تصرفه أو سلوكاته الفاعلة)، أو ينشأ من سلوكه السلبي الصرف (أي من سكوته أو من سكونه أو إهماله، عندما يكون واجب الكلام أو العمل).

لكن، هل بالإمكان أن تشكل هذه السلوكات الإيجابية الفاعلة أو السلبية التي دفعت بالطرف الآخر للعمل، أو الامتناع عن العمل، بحيث أنه قد نتج عنها تعديل في مراكز هذين الطرفين، مظهراً للإرادة مخصصاً لإنشاء قاعدة قانونية، تُسجل ضمن ميكانيكية ذات طبيعة تعاقدية؟

وفق العناصر المكونة لـ“الإستوبيل” في القانون الدولي العام، لا يتم تحليل الإرادة الحقيقية في مثل هذه الحالة، لمؤلف العمل الذي ينبع منه عرض الأشياء المدعى بها، لكن يتم التمسّك بالبحث في ما إذا كان الطرف الذي يلجأ لـ“الإستوبيل”، ووفق كل ظروف القضية، بإمكانه بشكل معقول وبحسن نية، أن يعتقد بصحة العرض ويفكر أن من صدر عنه قد أراد منه أن يعمل، أو أن يمتنع عن العمل، كما فعل بناءً عليه.

وبالتالي فلا يؤخذ في الحسبان إلا المجالات «الموضوعية» للعمل الصادر عن الطرف من أجل أن نحدد في ما إذا كان الطرف الآخر كان بإمكانه أن يركن بشكل معقول، إلى القصد الذي بالإمكان استخراجه على ما يبدو. فلا تهم الإرادة الحقيقية لمؤلف العمل، إنّ ما يؤخذ بالحسبان هو الاستنتاجات التي يستخلصها الطرف الآخر من هذا العمل. وبعبارة أخرى، نحن أمام مظاهر ضمنية للإرادة. إذ إن هذه الإرادة لا تصدر عن إعلانات صريحة صادرة عن طرف تجاه طرف آخر، ويجب بالنتيجه، كي يكون هناك وضع من “الإستوبيل”: «إن يكون أحد الأطراف قد أوجد بسلوكه في نفس شريكه الفكرة التي تبررها الظروف بأن إعلاناً للإرادة قد تم توجيهه إليه».
إن المعنى القانوني الجازم لكل مظهر للإرادة موجه للآخر، هو ما يمكن لهذا الآخر وما يتوجب عليه أن يعطيه له بحسن نيَة. إن النظام القانوني لا يُحل الإرادة الوهمية لمن صرح محل إرادته الحقيقية، لكنه يقضي بأن مصلحة من وُجّه إليه التصريح تستحق أن تكون محمية بقدر ما يتصرف هذا الموجه له بحسن نية، وهو يعطي عن عمد أثراً، ليس للإرادة الحقيقية لمن صرح، لكن إلى ما هو من حق الموجه له التصريح أن يعتبره الإرادة الحقيقية للمُصرح.

 استخدام “الإستوبيل” في القانون الدولي العام

في القانون الدولي العام يتدخل “الإستوبيل” كوسيلة دفاع (الدفع بعدم القبول أو الدفع بعدم سماع الدعوى) ويسعى لتعطيل إثبات بعض الوقائع ويتخذ بشكل أساسي الصفة الإجرائية.

يؤكد ذلك ما جاء به الفقيه «ويتنبر» (T.C.Witenberg) بقوله: «إن (الإستوبيل) هو عدم قبول أو تعطيل قانوني للاحتجاج أو لإنكار حالة واقعية معينة بسبب إنكار أو احتجاج أولي أو سلوك سابق.. فهو ممنوع على الشخص ويوقف بأن يحتج ضد واقعة أو حالة واقعية أو أن يُقدم براهين معاكسة».

وفي القانون الإنجليزي يجب ذكر “الإستوبيل” بالعرض، من قبل طرف عندما تُعرِض المناسبة أثناء الإجراءات، أي منذ أن يرجع الطرف الآخر عن أحد عروضه السابقة بإصداره عرضاً مختلفاً يقوم على الوقائع نفسها، محاولاً أن يقيم حقيقة أخرى، كما يلاحَظ أن الطرف الذي يُفضل استخدام هذه الوسيلة في الوقت المناسب يمكن أن يصبح مجرداً من هذا الحق في مرحلة لاحقة من الإجراءات.

لكن ليس هناك إيضاحات دقيقة حول هذه المسألة في الاجتهاد أو الفقه الدوليين. وحده «Sir Percy Spender» كان قد قدم بعض الملاحظات من هذا النوع في رأيه المخالف في قضية (Vihear Temple de Preah) قائلاً: «أثير الإستوبيل من قبل كمبوديا، وليس في عريضتها المقدمة للمحكمة الدولية، وإنما أثناء الإجراءات الشفهية». في الحقيقة، يعود للمحاكم وليس للأطراف في الدعوى -أن تعطي- لوسيلة الدفاع وصفها النهائي.
وعند الرجوع إلى نظام الإجراءات وعلى وجه الخصوص لدى محكمة العدل الدولية يتبين لنا أن الدفوع الدولية يجب تقديمها قبل أي دفع يتعلق بالأساس، وأن هذه الأخيرة يمكن إثارتها حتى انتهاء المرافعة في الدعوى، أما في ما يخص الدفع بعدم سماع الدعوى، ليس هناك في أنظمة إجراءات المحاكم الدولية أي توضيح لذلك، لكن المنطق يقول إنه يجب إثارتها عندما تعرض المناسبة أثناء الإجراءات، وإن إغفالها من قبل الطرف في الدعوى عندما يلزم ذلك، يفقد الحق في إثارتها، وهذا أمر طبيعي لأنه يُعد متنازلاً عنه.
يتضح مما سبق أن “الإستوبيل” على هذا النحو هو قاعدة إجرائية تخص حدود الحق بإقامة الدليل، وبالتالي ليس بالإمكان استخدامه كوسيلة دفاع، كما لا يمكن في أي حالة أن يكون أساساً لدعوى أمام القضاء.

 

 
نحو قطاع عام أكثر حاكمية: الحالة الأردنية PDF طباعة أرسل إلى صديق

مركز الرأي للدراسات

اعداد : أروى النجداوي

تموز 2013

تعد الإدارة العامة ليس فقط أداة لضمان فعالية وضع السياسات وإدارة الموارد السليمة وتقديم الخدمات الأساسية، بل أيضاً كوسيلة أساسية لتعزيز القواعد والمبادئ الدولية التي يقوم عليها نموذج الحكم الديمقراطي في مجتمع ما.  فعلى سبيل المثال، قد يترتب على انعدام سيادة القانون في الإدارة العامة - كغياب القوانين والقرارات والتعليمات الكتابية، أو مقاومة المرؤوسين لتنفيذ القرارات والأنظمة  والأحكام - تبعات خطيرة على الأفراد والمجتمعات. 

وفي العديد من الأنظمة البيروقراطية حول العالم ما زالت المساءلة تعتبر أمراً داخلياً، عبر تسلسل من المسؤولين وهياكل المراقبة الأفقية، دون اهتمام كبير بالمساءلة من جهة الجمهور أو المجالس النيابية المنتخبة. وتعتبر استبانات قياس رضا العملاء إحدى طرق المساءلة سهلة التطبيق. كما أن جلسات الاستماع العامة وآليات تظلم الجمهور التي تسمح للمواطنين بالإبلاغ عن إساءة استخدام السلطة تعتبر وسائل فعالة للرقابة الديمقراطية على المستوى المحلي.

ويلعب القطاع العام دوراً بارزاً في المجتمع، وبتبنيه نهج الحاكمية الرشيدة، سوف يؤدي ذلك حتماً الى الاستخدام الفعال للموارد المتاحة، وتعزيز المساءلة في إدارة هذه الموارد، وتحسين جودة وتقديم الخدمات، وبالتالي المساهمة في تحسين معيشة المواطنين. كما تعتبر الحاكمية الرشيدة ضرورة ملحة لبناء الثقة بمؤسسات القطاع العام، وهذا بحد ذاته أمر هام اذا ما أرادت مؤسسات هذا القطاع أن تتسم بالكفاءة والفعالية في تحقيق أهدافها وأهداف المواطنين على حد سواء.

للاطلاع على الدراسة كاملة انقر هنا

 
نحو قانون انتخاب أكثر عدالة PDF طباعة أرسل إلى صديق

مركز الرأي للدراسات

اعداد : المحامي د.محمد ملحم

تموز 2013

 على ضوء ما صرح به رئيس الوزراء من أن الحكومة بصدد إعداد قانون انتخاب جديد ينهي موضوع الصوت الواحد ويعزز القوائم من خلال مشاركة الأحزاب،  ويحقق العدالة في الدوائر الانتخابية، ومع أننا لسنا مع أي تعديل و/ أو اقرار لقانون انتخابات جديد لان ما سيترتب عليه هو دخول الأردن قيادة وحكومه وشعب في دوامة الصراعات الانتخابية وجدل التعديل وعدم التوافق كنهاية حتمية، ومن التجارب السابقة نأمل بأن يبقى هذا القانون للأربع سنوات القادمة وذلك لاستقرار القواعد الدستورية والقانونة للإنتخابات وايضا وعلى ضوء الالتهاب غير المسيوف للمنطقة نأمل التريث حتى تتبلور الأمور السياسية في البلدان المجاورة لكن هذا ما دفعنا ان ندلي بما نعتقد انه واجب قانوني لبيان الواقع الانتخابي من خلال هذه الدراسة والتي تتمحور على ثلاثة أمور هي:

1- لمحة تاريخه عن الدساتير الاردنية المتعلقة بقوانين الانتخابات النيابية:

منحت الوثيقه الدستورية لعام (1928)  الأردنيين حرية التعبير عن الرأي - المادة (11) - أما دستور (1952) فيعتبر نقلة نوعية بالنسبة للمشاركة الشعبية.

حيث نصت الدساتير الأردنية جميعها (1928، 1947، 1952) وكافة التعديلات على تعزيز مبدأ المشاركة الشعبية في تحمل المسؤولية، من خلال مجالس نيابية منتخبة.

بعد نشر الوثيقة الاساسية لإمارة شرق الأردن، وهو أول دستور أردني، بتاريخ ( 16 نيسان 1928)، وخصصت (17) مادة من مواده (25-41 ) للمجالس التشريعية، حيث نصت على تشكيل مجلس تشريعي، وعينت هذه المواد صلاحيات المجلس ورسمت الخطوط التي يسير عليها.

دستور عام (1947)

ودستور عام (1947) وعلى ضوء وحدة الضفتين كان لا بد من وضع دستور جديد انسجاماً مع التطورات السياسية المهمة التي شهدها الأردن وصولاً إلى الاستقلال وأفرد دستور 1947 حيزاً واسعا للسلطة التشريعية وأبرز ملامحه مبدأ فصل السلطات المادة (33) ومنح السلطة التشريعيه حق الرقابة المادة (52) وجاء قاصراً على حق الذكور فقط بالانتخاب المادة ( 3) من قانون الانتخابات رقم (9) لسنة (1947) وأهم ما فيه أنه دشن مرحلة الانتقال إلى المجالس النيابية.

دستور عام 1952

أما دستور 1952 فيعد نقلة نوعية بالنسبة لتعزيز المشاركة الشعبية والحياة النيابية، ويعتبر هذا الدستور والذي ما زال سائداً؛ من أرقى الدساتير وأفضلها، لجهة فتح الآفاق أمام تعزيز الحياة النيابية والديمقراطية، وصون الحريات العامة، واحترام حقوق الإنسان، وأجريت عليه الكثير من التعديلات لكنها لم تكن جوهرية، ومن أهم ما جاء فيه:

1) المادة (51): النص على مسؤولية الحكومة أمام مجلس النواب.
2) المادة (52): حق طرح الثقة بالحكومة أو بأحد الوزراء.
3) المادة (54): أن تقدم كل حكومه ببيانها الوزاري إلى مجلس النواب خلال شهر واحد من تاريخ تأليفها.
4) المادة (91): حق قبول مشاريع القوانين المعروضة عليه من السلطة التنفيذية أو تعديلها أو رفضها.
5) المادة (67): الانتخاب العام السري المباشر.

وقد تم تعديل بعض مواد الدستور في سبيل تعزيز الحياة النيابية، من أهمها المادة 78/3 مدة الدورة البرلمانية العادية (6) أشهر ويمكن ان تكون دورة استثنائية لمدة (3) أشهر كذلك تم النص على إنشاء محكمة دستورية بموجب المواد من (59-61) من الدستور. وكذلك تعديل المادة (94) حيث لم يعد هناك موضوع للقوانين المؤقته إلا في حدود ضيقة جدا حيث جاء فيها: ((1- عندما يكون مجلس النواب منحلا يحق لمجلس الوزراء بموافقة الملك أن يضع قوانين مؤقتة لمواجهة الأمور الآتي بيانها:- أ- الكوارث العامة  ب- حالة الحرب والطوارئ  ج- الحاجة إلى نفقات ضرورية ومستعجلة لا تحتمل التأجيل.
 
ويكون للقوانين المؤقتة التي يجب أن لا تخالف أحكام الدستور قوة القانون على أن تعرض على مجلس الأمة في أول اجتماع يعقده، وعلى المجلس البت فيها خلال دورتين عاديتين متتاليتين من تاريخ إحالتها وله أن يقر هذه القوانين أو يعدلها أو يرفضها فإذا رفضها أو انقضت المدة المنصوص عليها في هذه الفقرة ولم يبت بها وجب على مجلس الوزراء بموافقة الملك أن يعلن بطلان نفاذها فورا، ومن تاريخ ذلك الإعلان يزول ما كان لها من قوة القانون على أن لا يؤثر ذلك في العقود والحقوق المكتسبة. 2- يسرى مفعول القوانين المؤقتة بالصورة التي يسرى فيها مفعول القوانين بمقتضى حكم المادة (93) من هذا الدستور))

ملاحظة: إن غالبية قوانين الانتخابات صدرت كقوانين مؤقته ما عدا القانون رقم (2) لسنة 2011 الخاص بانتخابات مجلس النواب الحالي.

وعليه يمكن القول أن دستور (1952) كان ولا يزال الدستور الامثل، مع إننا نؤيد وبشكل قاطع تعديل بعض المواد الدستورية لغايات الوصول إلى مبدأ الملكية الدستورية كما اشار اليه الملك في الورقة الثالثه.

2- قانون الانتخابات

ليس من المفيد أن نستعرض كافة المراحل القانونية لقوانين الانتخاب التي صدرت منذ عام (1928) لكن المهم أن هناك المجالس التشريعيه الخمسة من عام (1929) وحتى (1942) سميت مجالس تشريعيه إلى ان حدد دستور عام (1947) المجالس النيابية وهذه المجالس هي:

1- المجلس التشريعي الأول (2/4/1929-9/2/1931).
2- المجلس التشريعي الثاني (10/6/1931-10/6/1934).
3- المجلس التشريعي الثالث (16/10/1934-16/10/1937) .
4- المجلس التشريعي الرابع (1/11/1937-16/10/1942) .
5- المجلس التشريعي الخامس (1/11/1942-20/10/1947) .

وبموجب قانون الانتخاب رقم (9) لعام 1947 تم انتخاب مجالس النواب التالية:

- مجلس النواب الاول (20/10/1947-1/1/1950) .
- مجلس النواب الثاني (20/4/1950-3/5/1951).
- مجلس النواب الثالث (1/9/1951-22/6/1954).
- مجلس النواب الرابع (17/10/1954-26/6/1956).
- مجلس النواب الخامس (21/10/1956-21/10/1961).

والنقطة المهمه هي أن قانون الانتخاب المؤقت رقم (24) لسنة (1960) منع العسكريين من الانتخاب - المادة (5) - ورفع سن الناخب من (18-20) سنة
وبموجب قانون معدل لقانون انتخاب مجلس النواب رقم (8) لسنة (1974 ) تم منح المرأة حق الترشيح والانتخاب وفي هذا القانون تم انتخاب:
 
- مجلس النواب السابع (27/11/1962-21/4/1963).
-  مجلس النواب الثامن (8/7/1963-23/12/1966).
-  مجلس النواب التاسع (18/4/1967-18/4/1971).
- مجلس النواب العاشر (16/1/1984-30/7/1988).

وعلى اثر اعلان فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفه الغربية الامر الذي ترتب عليه انهاء تمثيل الضفة الغربية في مجلس النواب، وفقا لقانون الانتخاب رقم (23) لسنة 1989 تم انتخاب مجلس النواب الحادي عشر، وهي أول انتخابات نيابية منذ عام 1950 تقتصر على الضفة الشرقية. وقد تم تقسيم الأردن في عهد هذا المجلس إلى 20 دائرة انتخابية، وأصبح عدد مقاعد مجلس النواب 80، والأعيان 40.

- مجلس النواب الثاني عشر (23/11/1993-1/9/1997)، وقد جرت الانتخابات لهذا المجلس.
-  مجلس النواب الثالث عشر (29/11/1997-16/6/2001).

إن القانون المؤقت رقم (34) لعام (2001) حسب المادة (21) أكد على مشاركة القضاء في الإشراف على العملية الانتخابية، ووفق هذا القانون تم انتخاب:

-  مجلس النواب الرابع عشر (2003-2007).
 - مجلس النواب الخامس عشر (2007-2009).

وهذا القانون الذي حدد كوتة للنساء وهو أمر غير دستوري

ولعل عام (2010) الذي شهد استعدادات لانتخاب مجلس النواب السادس عشر وهو قانون الدوائر الوهمية.

أما آخر التعديلات الدستورية التي جرت من عام 2011 والتي جاءت ايضا لتعزز النهج الديمقراطي من خلال الهيئة المستقلة للانتخابات بموجب النص الدستوري المادة (76/2) والتي جاء فيها : ((تنشأ بقانون هيئة مستقلة تشرف على العملية الانتخابية النيابية وتديرها في كل مراحلها، كما تشرف على أي انتخابات أخرى يقررها مجلس الوزرا )) .

ووفق التعديلات الدستورية والتي جرت عام (2012) ووفق قانون انتخاب شابه ما شابه من انتقاد الا أنه حدد دوائر انتخابية وانتخاب وفق القوائم.

وتنفيذا لذلك صدرت الإرادة الملكية بتعين هيئة الانتخايات المستقلة واجريت انتخابات عام 2012 على هذا الاساس ومع ما شاب هذه الانتخابات من لفظ وطعون إلا أن الهيئة وعلى حداثتها وقلة درايتها وخبرتها في الانتخابات وعدم وجود الكوادر المدربة، فإنه يمكن القول ان الانتخابات ابرزت مجلسا إلى حد ما ((غير مدجن)).
قانون الانتخابات الصادر عام (1960) المؤقت رقم (24) لسنة (1960) منح العسكريين من ممارسة حقهم الدستوري.

ايضا هذا القانون كما هو الحال في القوانين والتشريعات السابقة ابقى موضوع مقاعد الشركس والشيشان والمسيحين.

في عام 1974 منح القانون رقم (8) لسنة (1974) حق المرأه في الترشيح والانتخاب لأول مرة.

3- اقتراحات لقانون انتخاب عصري:

1) الاستمرار بعدم السماح للعسكريين في ممارسة حقهم الدستوري، ومع ان القانون لا يقيد الدستور الا أن المأمول من السلطة التنفيذية أو السلطة التشريعيه تقديم طلب لبيان مدى دستورية عدم ممارسة افراد وضباط القوات المسلحة والاجهزة الامنيه لحقهم الدستوري في الانتخاب فقط دون الترشيح.

2) الغاء جميع انواع الكوتا الخاصة بالنساء وبالشركش وبالشيشان والمسيحين لعدم الدستورية حسب المادة (6)، اما العرف الدستوري الذي يتذرع به البعض فإنه لم يعد حقا مشروعاً طالما اننا امام سياده القانون ومبدأ فصل السلطات والخيار المتاح للجميع في شأن الترشيح سواء ضمن القوائم الوطنية او عن الدوائر المنفصلة.

3) ان هناك تأثيرات سلبية كثيرة على سير العملية الانتخابية خاصة النواحي الامنيه  .

4)  القوائم:

 أ ) القائمة النسبية المفتوحة: هو تقسيم اقليم الدولة إلى دوائر انتخابيه كبيرة وبذلك يقل عدد الدوائر ويكبر حجم كل منها حيث يقوم كل حزب بتقديم مرشحين ويقوم الناخب بانتخاب القوائم التي تقدمها الأحزاب دون ان يكون للحزب الحق في ادخال أي تعديلات عليها وتكون المفاضله على اساس البرنامج الانتخابي وليس على اساس العلاقات الشخصية وهذا يجعل التنافس بين افكار وبرامج ومناهج وليس صراعا بين اشخاص مما يحرر النواب من ضغوط  ناخبيهم ويجعل الناخب يصب كل اهتماماته بالشأن الوطني ويخفف بشكل كبير من الضغوط على الناخب والمرشح ويقلل من شراء الاصوات.

ملاحظة: ابطلت المحكمة الدستورية المصرية الانتخابات التي جرت وفق القوائم الحزبية حيث ان الافراد ايضا يحق لهم ان يتقدمو للانتخابات وفق قوائم، وعليه يمكن معالجة ذلك الامر الدستوري بأن تكون ايضا هناك قوائم للإفراد والجماعات الغير منظمين حزبيا.

ب) القائمة النسبيه المغلقه: فإن كل حزب ينسب في قائمة عدد مرشحين يساوي عدد المقاعد المخصصه لكل محافظة او دائرة انتخابيه ويكون النجاح على اساس ما حصلت عليه القائمة المغلقة.

ج) القائمة الفرديه المستقله: فهي التي تمنح الناخب الحق في اختيار من يشاء من المرشحين في القوائم وهذا فيه تحقيق للعدالة فهذه الطريقه تمنح حرية حركه اكثر للناخب وبنفس الوقت يكون المرشح قادرا عن كسب المزيد من الاصوات وهذا يعتمد على الاسلوب الذي يتبعه المرشح مع التأكيد ان المال سيكون له دور في هذه الطريقه الا انه سيكون دور هشاً.

وفي نظام القائمة النسبيه سواءاً المغلقة أو المفتوحة أو النسبيه فإن الطريق للانتخابات ستكون سهله ومريحة للناخب لأنه يختار من يشاء.

التوصيات:

1) أن يتم تقسيم المملكة إلى ثلاثة دوائر انتخابية:

1- الدائرة الاولى (دائرة الشمال) وتشمل محافظات اربد، المفرق، عجلون، جرش،
2- الدائرة الثانيه (دائرة الوسط) وتشمل محافظات عمان،  البلقاء، مادبا، الزرقاء .
3- الدائرة الثالثه (دائرة الجنوب) وتشمل محافظات الكرك، الطفيله، معان، العقبة.

2) ان تمنح كل دائرة عدد متساو من المقاعد.

3) ان يكون نظام التصويت بالقائمة النسبية المفتوحة.

4) ان يحدد 25% على سبيل المثال، «نواب وطن».

5) ان يمنح الناخب الحق في اختيار عدد معين من المرشحين لا يزيد عن خمسه أصوات من كافة القوائم وله الحق في صوت واحد لمرشح الوطن.

وفي ضوء التوصيات:

1- فإن المجلس سيكون أولا متنوع فكريا وعقائديا وسيكون الحظ في الفوز في المقعد النيابي لصاحب الفكر والطروحات الوطنية لاننا امام شعب مثقف مهذب عريق وخبرة طويلة على مدى خمسة عقود.
2-  لن يكون للواسطه أو التزوير أو الرشوه موضع قدم في هذه الانتخابات.
3-  ان موضوع المال سيكون آخر الامور التي سيلجأ اليها المرشح.
4-  ان هناك الكثيرين لن يكون بمقدورهم تقديم انفسهم كمرشحين بعد أن سقطت من ايديهم الكثير من الاوراق.

واخيرا إن من شأن ذلك انه سيخلق انفتاح كامل بين ابناء الشعب الاردني، وكل هذا منوط بالقانون وتطبيقاته.

التعديلات القانونية المطلوبه:

بإعتقادي وعلى ضوء ما ورد من الشروط التي حددها القانون في الناخب والمرشح فهي شروط موضوعية وجيدة ولا يمكن الاضافة عليها الا بما يتوافق مع التعديلات الدستورية.

اما الامور الاخرى فهي تحتاج بالتأكيد إلى تعديلات جوهريه وعلى النحو التالي:

1) الدوائر الانتخابيه سيتقرر وفق القانون الجديد من حيث تطابقها مع القوائم
2) المادة (5) الجداول لا بد من اعادة النظر بشكل كامل في هذه المادة
3) المادة (7) الترشيح يحتاج إلى اعادة نظر في جزء منها لكي تتوافق مع التعديلات الدستوريه .
4) المادة (17) تحتاج إلى تعديل جوهري
5) المادة (23) سيتم تعديلها وفق احكام الدستور (قانون الهيئة المستقله للانتخابات) وهذا يحتاج إلى تعديل القانونمن المادة 21-39
6) المادة (47) جرائم الانتخابات تحتاج إلى تشديد وتغليظ العقوبات .

 

 
دراسة لتوصيات اللجنة البرلمانية «للعمل والمالية» بخصوص تعديل قانون الضمان الاجتماعي المؤقت رقم »7« لسنة 2010 PDF طباعة أرسل إلى صديق

 مركز الرأي للدراسات

اعداد : علي عيسى

تموز 2013

 اتيحت لي فرصة المشاركة في جلسات اللجنة البرلمانية «العمل والمالية» المكلفة بدراسة قانون الضمان الاجتماعي المؤقت رقم (7) لسنة 2010, وتقديم التوصيات بشأنه لمجلس النواب.. وجاء تكليفي من غرفة صناعة الاردن وغرفة صناعة عمان باعتباري مستشاراً لهذه الغرفة لشؤون الضمان الاجتماعي. كما كنت مكلفاً نفسي بالدفاع عن مجموعة كبيرة من التوصيات المستخلصة من دراسة شاملة لقانون الضمان اعددتها بتكليف من غرفة تجارة عمان, ونوقشت هذه الدراسة في ثماني ورشات عمل شارك فيها العديد من المهتمين والمختصين وخرجت بالتوصيات المشار اليها.

واذا كانت الموضوعية تقتضي ان لا اضع النتائج قبل المقدمات الا ان طرح الانطباعات العامة في البداية, كما اعتقد, لا تتناقض مع هذه الموضوعية, لذا لا اجد حرجاً في القول, بكل صراحة ووضوح, انني شعرت بخيبة الامل من مناقشات وتوصيات اللجنة البرلمانية لاسباب عديدة بعضها يتصل بالشكل والأهم منها ما يتصل بالمضمون.

لقد كان الانطباع الاول أن القانون موضوع المناقشات, قانون الضمان, وهو أهم القوانين الاجتماعية والاقتصادية واعقدها واكثرها تأثيراً على المجتمع الاردني حاضراً ومستقبلاً باعتباره معنياً بحياة ومعيشة ومستقبل ملايين الاردنيين, هذا القانون لم يدرس بشمولية وعمق من قبل غالبية المشاركين في جلسات اللجنة البرلمانية, فضلاً عن أن اللجنة لم تحضر متكاملة في جميع جلساتها, ولم تمثل فيها اطراف الانتاج الثلاثة من ممثلي العمال واصحاب العمل والحكومة, وهي الاطراف المنوط بها اساساً تمويل وادارة وتنفيذ وتطوير نظام الضمان الاجتماعي.

وفي اعتقادي ان اللجنة والمشاركين في جلساتها, وكلهم اجّل واحترم, لم يعطوا اهتماماً للاسباب الموجبة التي تم على اساسها بناء وصياغة التعديلات التي اشتمل عليها قانون الضمان المؤقت رقم (7) لسنة 2010, موضوع مناقشات اللجنة, فبدت لي هذه المناقشات, وما آلت اليه من نتائج وتوصيات, معتذراً عن الوصف, كرقصات فيل ادخل الى محل للخزف. وبتعبير واضح اتحمل مسؤوليته كوني «خبير ضمان اجتماعي» حسب تصنيف منظمة العمل العربية, ان ما وصلت اليه اللجنة البرلمانية من توصيات لتعديل القانون موضوع البحث, كان تشويهاً لهذا القانون وانحرافاً خطيراً عن اهدافه ومستلزمات ديمومته ومسيرة تطبيقه. وسأحاول أن اوضح ذلك فيما يلي من ملاحظات.

اولاً – التقاعد المبكر

لقد كان في الاسباب الموجبة للقانون المؤقت رقم (7) لسنة 2010, موضوع البحث والمناقشات, ان مستقبل نظام الضمان الاجتماعي سيواجه عجزاً اكتوارياً يجعل من الاشتراكات التي يعتمد عليها هذا النظام غير كافية لمواجهة النفقات بعد عام 2016, مما سيضطر مؤسسة الضمان الى اضافة عوائد استثمار موجوداتها الى مجمل الاشتراكات التي تدفع شهرياً, لتغطية نفقاتها حتى عام 2026 وان المؤسسة سوف تضطر لتسييل موجوداتها الى جانب الاشتراكات الشهرية لتتمكن من دفع النفقات المتوجبة عليها بعد ذلك, مما يؤدي الى افلاس المؤسسة عام 2036.

تصحيح الخلل الاكتواري

لقد جاء ذلك من خلال الدراسة الاكتوارية التي اقرتها المؤسسة قبل تعديل قانون رقم (19) لسنة (2001) واخراج قانون رقم (7) لسنة 2010 الذي جاء لانقاذ الموقف ومعالجة الخلل الاكتواري المشار اليه, والذي كان سببه الرئيس التقاعد المبكر الذي كان مسموحاً به في سن الخامسة والاربعين وبمدد اشتراك تراوحت بين 18 سنة للذكر و15 سنة للانثى, بالاضافة الى عدم وجود سقف للاجر الخاضع للاشتراك والذي اوصل رواتب تقاعد تجاوزت العشرة آلاف دينار شهرياً, وكان يمكن أن تصل الى عشرين الف دينار أو اكثر لو بقي الحال على ما هو عليه مع ازدياد الاجور لفئة غير قليلة من مدراء الشركات وكبار الموظفين, دون أن ننسى فقدان العدالة الى حد أن هذه الرواتب كانت تشكل حوالي ثلاثماية ضعف الحد الادنى لراتب التقاعد, وهو امر لم تشهد له اية انظمة ضمان اجتماعي في العالم. مشيراً هنا على سبيل المثال الى أن دولاً غنية مثل اليابان والمانيا لا تتجاوز مثل هذه الرواتب سبعة اضعاف الحد الادنى! هذا مع عدم وجود رواتب تقاعد مبكر قبل سن الستين.

الهرم على رأسه

وفي واقع التطبيق العملي فقد شهدت مؤسسة الضمان الاجتماعي الاردنية في جميع سنواتها الاخيرة. ومنذ بدأت «ثمار» التقاعد المبكر من اواسط تسعينات القرن الماضي, وبشكل خاص منذ منتصف العقد الاول من القرن الحادي والعشرين, تصاعداً كبيراً في الاقبال على التقاعد المبكر حتى بلغت نسبته خلال اعوام 2007, 2008 و2009 حوالي 80% من استحقاقات التقاعد. وبذلك انقلب هرم التقاعد على رأسه, فبدلاً من تقاعد الشيخوخة عند سن الستين للرجل وسن الخامسة والخمسين للمرأة الذي قامت على قاعدته انظمة الضمان في العالم, اصبح هذا التقاعد الطبيعي «استثناء», وليصبح الاستثناء الطبيعي وهو التقاعد المبكر هو القاعدة.
وليست المخاطر هنا على نظام الضمان الاجتماعي فحسب بل وعلى النظام الاقتصادي ايضاً. فتخيلوا كيف سيكون واقع النظام الاقتصادي الوطني الذي سيفقد النخب الاقتصادية والادارية والفنية ذات الخبرات المتراكمة من خلال تقاعدهم المبكر في سن الشباب!

عملية جراحية

وهكذا فقد جاء قانون الضمان الاجتماعي رقم (7) لسنة 2010 بعملية جراحية لاستئصال سرطان التقاعد المبكر – اذا جاز التعبير – وكذلك معالجة مخاطر فقدان العدالة بين الحد الادنى والحد الاقصى وتقريب المسافات بين احجام رواتب التقاعد لضمان ادنى حد من العدالة.

وبلغة مبسطة وواضحة رفع سن التقاعد المبكر من سن 45 الى سن 50, وسمح القانون للعاملين في المهن الخطرة بالتقاعد في سن 45 اما شرط مدد الاشتراك فقد رفعت من 18 سنة للذكر الى 25 سنة وللانثى 15 سنة الى 22 سنة.

بل واستثناء, من القاعدة فقد منح جميع الذين اكملوا من المشتركين قبل 1/1/2011 مدة 18 سنة في الاشتراك للذكور و15 سنة للاناث حق الاستفادة من التقاعد المبكر على اساس القانون السابق وفي أي وقت شاءوا, وجاء ذلك تحت عنوان الحقوق المكتسبة.

وعلى اساس هذه التعديلات التي حاولت اعادة تركيب الهرم على قاعدته بدلاً من بقائه على رأسه دون الاخلال بحقوق المشتركين, بالاضافة الى مجموعة اخرى من التعديلات الاقل اثارة لاختلاف والاكثر تجاوبا مع العدالة والتوافق مع النظم المتقدمة للضمان الاجتماعي، على هذا الاساس استقر نظام الضمان الاجتماعي، ومنح مؤسسة الضمان الاجتماعي عشر سنوات جديدة من الامان وفق الدراسة الاكتوارية التي اجرتها المؤسسة بعد تطبيق قانون رقم (7) لسنة 2010.

الأصوات العالية

ولان القاعدة تقوم على استحالة ارضاء الجميع، ولاننا تعودنا في هذا البلد الطيب ان نستمع اكثر واحيانا، مع الاسف، ان نخضع للاصوات العالية، وهي حجة الذين لا يسمحون لصوت العقل الهادئ بالسمع، فقد قامت الدنيا ولم تقعد من نفر من ذوي المصالح الخاصة.

لقد كان لهذه الاصوات العالية، التي احترم اصحابها، ولا احترم تطلعاتهم الفردية الدور المؤثر فيما وصلت اليه اللجنة البرلمانية الكريمة فيما يخص توصياتها بخصوص التقاعد المبكر حيث تضمنت هذه التوصيات ما يلي:

1- تخفيض مدد الاشتراكات المؤهلة لاستحقاق التقاعد المبكر حيث اصبحت (22) سنة بدلا من (25) سنة للذكور و(19) سنة بدلا من (22) للاناث، بل واصبح كل من استكمل مدة (25) سنة يحق له التقاعد المبكر عند سن (45) بدلا من سن (50).
2- رفعت معامل المنفعة بدلا من (87ر1) من الاجر عن كل سنة الاشتراك الى (5ر2%).
3- توسعت في المهن الخطرة التي يسمح لمن يعمل بها بالتقاعد في سن (45) للذكر والانثى مع مدة اشتراك (15) سنة بالاضافة الى معامل منفعة (5ر2%).
4- والاخطر من كل ما سبق السماح، ولاول مرة في الاردن، بالجمع بين اجر العمل ونسبة عالية من راتب التقاعد، وهو امر سيخلق خاصة مع بعض الشروط، اشكالات ادارية وتنظيمية لمؤسسة الضمان ولاصحاب العمل وللعائدين للعمل من المتقاعدين مبكرا.
5- اضافت اللجنة مبلغ (40) دينارا لكل متقاعد مبكر.
6- اضافت نسبة التضخم زيادة على راتب التقاعد المبكر فور تخصيصه.

إن هذه التوصيات ان تمت الموافقة عليها فسوف تشكل حوافز كبيرة لكل مشترك للتقاعد المبكر، الامر الذي سيقلب هرم تقاعد الضمان مجددا على رأسه، بل قد يدحرج هذا النظام برمته الى الهاوية.

زيادة الاشتراكات

والسؤال هنا كيف وافقت مؤسسة الضمان وهي ممثلة بمديرها العام في اجتماعات اللجنة، اقول مخلصا ان المؤسسة وافقت مرغمة بعد ان وافقت اللجنة البرلمانية الكريمة على مطالب المؤسسة برفع نسبة الاشتراكات الشهرية على العامل وصاحب العمل بحجة تغطية كلفة «الهدايا» التي قدمتها اللجنة للمتقاعدين مبكرا.

وارى ان رفع الاشتراكات وبالنسب التي سأبينها لاحقا، اكثر خطورة من الموافقة على الكرم الحاتمي للتقاعد المبكر غير المبرر وغير الضروري والذي لا مثيل له في اي نظام ضمان اجتماعي في العالم، وهذه الاطلاقية انا مسؤول عنها بحكم اطلاعي على انظمة الضمان العالمية.

اما نسب الاشتراكات الجديدة فهي على النحو التالي:

1- رفع نسبة اشتراك صاحب العمل لتأمين الشيخوخة من 9% الى (11%) لجميع المشتركين لديه، وكذلك الى (12%) لمن يعملون لديه في المهن الخطرة، اي ان صاحب العمل ارتفعت اشتراكاته بصورة عامة الى (3%) وهي نسبة جديدة.

2- رفع اشتراكات العامل من (5ر5%) الى (5ر6%) اي اضافة (1%) جديدة من اجل المساهمة في التقاعد المبكر.

3- إن رفع اشتراكات تأمين الشيخوخة بنسبة (4%) على العامل وصاحب العمل جاءت فقط لتمويل التقاعد المبكر.

وهذه النسبة الجديدة من الاشتراكات ستصل الى حوالي مئتي (200) مليون دينار سنويا سوف تسحب من الاجور ورصيد المنشآت والشركات والمؤسسات لتقدم للشباب المتقاعدين والذين سيعودون الى العمل للجمع بين الاجر والتقاعد ولو بشروط، ارى انها ستتبخر في التطبيق، حيث سيتكفل التحايل، اي الفساد، بتبخيرها.

اما المخاطر والنتائج التي ستترتب على زيادة الاشتراكات بنسبة (4%) وقبلها زيادة الاشتراكات لتأميني الامومة والتعطل عن العمل وهي بنسبة (25ر2%) من قيمة الاجور والتي بدأت قبل حوالي عامين اي ان زيادة (25ر6%) من الاشتركات فهي كما يلي:

أ- زيادة العبء على العامل وصاحب العمل، وسيعمل كل منهما على معالجة موقفه من خلال مصالحه، فالعامل سيطالب بزيادة الاجور ليسترد ما يخصم من اجره، وصاحب العمل سيحاول استرداد ما يدفعه من خلال رفع ثمن السلعة او الخدمة التي ينتجها، والمتضرر في النهاية هو المواطن الذي سيضاف الى مر الشكوى من الغلاء المزيد من المرارة، وقد يحولها الى اعتصامات ومطالبات وغيرها.

ب- زيادة العبء على القرار الاستثماري الداخلي والخارجي، فمن المعروف انه كلما زادت كلفة الاستثمار كلما هرب الاستثمار الداخلي الى الخارج، حيث الفرص الافضل، وكذلك الحال يهرب الاستثمار الخارجي الذي يبحث اساسا عن كلف استثمار اقل وربحية اكبر في بلدان اخرى، والخسارة في النهاية يدفعها الاقتصاد الوطني.
تُرى هل يستحق اغراء الشباب بالتقاعد المبكر رغم كل مخاطره وتشويهه لنظام الضمان الاجتماعي واثاره الاقتصادية والاجتماعية والادارية المشار اليها انفا، هل يستحق كل هذه المخاطر.

وبالمقابل، اذا كان الاقتصاد الوطني، وطرفا الانتاج من عمال واصحاب عمل يمكنهم ان يتحملوا اعباء واثار اقتطاع (4%) من قيمة الاجور شهريا لتقديم حوافز مجانية لفئة من الشباب كي «يتمتعوا» بالتقاعد والقعود في الكسل او البحث عن وسائل للتحايل على الضمان وجني رواتب تقاعد واجر العمل دون دفع اشتراكات، او بمعنى «السرقة»، الم يكن من الاجدى للجنة الموقرة ان توفر لجميع القوى العاملة منافع تأمينية شاملة بذات النسبة المقتطعة من اجورهم (4%) وربما بأقل منها وذلك بتطبيق تأمين متكامل للبطالة مثلا، او بتطبيق تأمين العجز المؤقت ضد المرض الذي حذف جزافاً من التأمينات وهو تأمين اجتماعي واقتصادي معا مهم جدا للمعامل طوال وجوده في العمل، بل كان يمكن تطبيق مرحلة اولى من التامين الصحي للمتقاعدين بنسبة اشتراك اقل.

للاسف لم تنكر اللجنة البرلمانية الموقرة تأمينيا او شموليا لانها خصصت للاصوات العالية ذات المصالح الخاصة.

ثانياً – تقاعد الشيخوخة

اجرت اللجنة تعديلات على نصوص قانونية في احتساب تقاعد الشيخوخة ومنها:

-خفضت متوسط الاجر الذي يحسب على اساسه راتب تقاعد الشيخوخة من متوسط اخر 36 اشتراكاً الى اخر 30 اشتراكاً مما يفتح باب التحايل لرفع الاجور في السنتين والنصف الاخيرة بدلاً من السنوات الثلاث الاخيرة, بل كان الاجدى رفع المتوسط الى آخر خمس سنوات.

-وفي ذات السياق خفضت رقابة المؤسسة على تدرج الاجور في السنوات العشر الاخيرة بشطب نص الفقرة (د) من المادة (62), واعادة احتسابه بأثر رجعي لجميع الرواتب المخصصة للسنوات الماضية؟

-خفضت التعديلات الموصى بها درجة رقابة المؤسسة على تدرج الاجور في السنوات الخمس الاخيرة بحيث اصبحت الزيادة في الاجر المسموح بها في هذه السنوات وهي بنسبة (60%) اصبحت ذات النسبة (60%) ولكن في السنوات الاربع الاخيرة, مما يسمح بمعدل زيادة سنوية من (12%) الى 15% وهذا يزيد من محاولات التحايل برفع الاجور وزيادة رواتب التقاعد دون وجه حق, فضلاً عن زيادة رواتب التقاعد على خلاف ما يجري في انظمة الضمان العالمية التي تتراوح بين ما كان معمولاً به من نسب وارقام حسب القانون المؤقت رقم (7) لسنة 2010, وبين العديد من التشريعات العالمية التي تصل في بعضها الى متوسطات اجور عشر سنوات وخمس عشرة سنة, منعاً للتحايل وتقليصاً للانفاق.

ولتوضيح هذا الموضوع الفني الدقيق اشير الى ان اغلب قوانين الضمان في العالم لا تزيد حصيلة راتب تقاعد الشيخوخة فيها عن 67% من الاجر الاخير ومتوسط الاجر في السنوات الاخيرة قبل التقاعد. أما لدينا فنحن من السخاء بحيث تصل رواتب التقاعد عند سن الستين مع الزيادات المقررة الى ما يساوي الاجر الاخير, بل واذا احتسب الراتب بعد سن الستين فسوف يزيد على الاجر الاخير!

أليس ثمة فرق بين الاجر الذي يعطى مقابل العمل والانتاج وبين معاش التقاعد الذي يمنح كحق لتأمين حياة كريمة للمتقاعد!

ثالثا: التأمين الصحي الشامل

حرصت اللجنة على تطبيق هذا التأمين على مليون مشترك بالضمان واربعة ملايين منتفع وانا معها، ولكن اللجنة اصرت على ان يبدأ التطبيق في 1/ 1/ 2015 اي بعد حوالي السنة من تاريخ نفاذ احكام القانون، واصرت على ان تضع هذا التاريخ في صلب القانون وهنا اجد نفسي مضطرا لمعارضتها لاسباب عديدة بعضها دستوري وبعضها قانوني وبعضها يتعلق بالصلاحيات والسياسات والمعقوليات.

1- جاءت المادة (3) من مشروع القانون حسب توصيات اللجنة لتجعل تطبيق التأمين الصحي بنظام يُصدره مجلس الوزراء، وفي اعتقادي ان الامر يتطلب اعداد فصل في قانون الضمان مثلما هو الحال في جميع فصول تطبيق التأمينات الاجتماعية، فحال التأمين الصحي كحال تأمين اصابات العمل والامومة والتعطل عن العمل والشيخوخة.. الخ، لان التأمين الصحي مثله مثل سائر التأمينات يتطلب تحديد اشتراكات وانشاء صندوق وتوزيع اعباء الاشتراكات على اطراف الانتاج وغيرها من النصوص القانونية انطلاقا من احكام الدستور حيث لا تفرض ضرائب ورسوم دون نص قانوني فكيف تترك اللجنة البرلمانية الكريمة صلاحيات فرض رسوم واشتراكات وغيرها لمجلس الوزراء وليس للبرلمان المخول دستوريا بفرض مثل تلك الاشتراكات والرسوم.. اما النظام فلمجلس الوزراء اصداره لتفصيل تطبيق النص القانوني الذي يفترض ان يتضمنه فصل خاص بالتأمين الصحي في صل قانون الضمان، وعليه كان على اللجنة لو شاءت ان تحضر لتطبيق التأمين الصحي ان توصي مجلس النواب بالموافقة على فصل تكون اعدته مسبقا ليكون جزءا من قانون الضمان قبل ان توصي بتطبيق تأمين صحي يقوم على نظام يصدره مجلس الوزراء.

تجاهل مواد القانون

2- تجاهلت اللجنة البرلمانية الموقرة ما نصت عليه المادة (3) من قانون الضمان بالبند (5) من الفقرة (أ) والتي تنص على الآتي:

المادة 3 - أ - 5: يشمل هذا القانون التأمينات التالية: 1، 2، 3، 4، (5) التأمين الصحي، والفقرة (ج) من المادة ذاتها التي تنص:

المادة 3 - ج : يجوز تطبيق اي من التأمينات الواردة في الفقرة (أ) من هذه المادة على مراحل بقرار من مجلس الوزراء بناء على تنسيب المجلس (مجلس ادارة مؤسسة الضمان الاجتماعي) على ان يحدد في هذا القرار ما يلي: تاريخ البدء بالتطبيق ب- الفئات المشمولة بالتأمين ج- تاريخ وضع المرحلة الاولى واي مرحلة اخرى ثانية موضع التطبيق.. الخ.

بعد قراءة هذا النص القانوني الذي يبدو ان اللجنة الكريمة اما انها لم تقرأه او تجاهلته أو لم تفهم مفاعيله، كيف تنص في بند لاحق في نفس المادة على ان يبدأ تطبيق التأمين الصحي في 1/1/2015 دون ان يكون هناك قرار بذلك من مجلس الوزراء صاحب الصلاحية (الفقرة ج) ودون ان يكون هناك تنسيب من مجلس ادارة الضمان (ذات الفقرة): هل تحولت اللجنة الكريمة ومعها مجلس النواب الذي توصي له باقرار المادة من لجنة او مجلس نواب صاحب تشريع الى مجلس وزراء صاحب قرار تنفيذي، فضلا عن شطب صلاحية مجلس ادارة الضمان المسؤول اساسا ليس عن التنسيب بتطبيق التأمينات بل والمسؤول عن اقتراح مشروعات تطبيق التأمينات الى مجلس الوزراء...الخ بعد ان يكون قد اجرى الدراسات اللازمة لكل تأمين واعد العدة الادارية والتنظيمية لذلك!.

3- حين تقرر اللجنة البرلمانية تطبيق تأمين صحي بعد سنة من اقرار القانون هل يا ترى اطلعت على دراسات اكتوارية اعدتها مؤسسة الضمان المسؤولة عن التطبيق، لهذا التأمين وخاصة كم تبلغ تكلفة تطبيقه وكيفية توزيع هذه التكلفة على اطراف الانتاج.

معلوماتي، لا توجد دراسة اكتوارية لدى المؤسسة لتطبيق هذا التأمين ولكن توجد دراسة عامة لهذا التأمين تم اعدادها بالتعاون بين المؤسسة والجامعة الاردنية خلال عامي 1991-1992 وكنت شخصيا رئيس الفريق النظير في المؤسسة وملخصها ان تطبيق هذا التأمين حسب اسعار عام 1991 يتطلب انشاء صندوق تصب فيه اشتراكات شهرية مقدارها (16%) من قيمة اجور المشتركين فيه. وقد قرر مجلس ادارة الضمان انذاك وبعد اجتماعات متعددة لدراسة كيفية توزيع تلك الكلفة، وحفظ الدراسة في الارشيف لصعوبة التطبيق وعدم امكانية فرض نسبة الاشتراك المشار اليها.

هل نحن دولة نفطية!

والسؤال هنا: لو افترضنا ان اللجنة الكريمة اطلعت على مثل تلك الدراسة وقررت الزام مجلس الوزراء ومؤسسة الضمان واصحاب العمل والعمال على تمويل هذا التأمين بتلك النسبة من الاشتراكات فماذا ستكون كلفة الضمان الاجتماعي في 1/1/2015، دعونا نجمع اشتراكات الضمان:

-(75ر18) كلفة الاشتراكات اليوم، نضيف لها (4%) لتمويل التقاعد المبكر كما اسلفنا واوصت اللجنة بذلك و(16%) للتأمين الصحي يكون المجموع (75ر38%) من قيمة الاجور: هل تسمح اللجنة البرلمانية الموقرة ان اقول لها ان هذه النسبة لا تستطيع ان تتحملها دولة نفطية! وهل اقول لها ان بريطانيا العظمى كادت تفلس بسبب التأمين الصحي! وهل اذكرها بما جرى ويجري في اميركا الدولة العظمى في عهد اوباما بسبب شجاعته لتطبيق التأمين الصحي على عدد محدود من الشعب الأميركي!.

انا لست ضد تطبيق التأمين الصحي، ولكن ضد الارتجال بوضع نص قانوني، مخالف لنصوص قانونية في الضمان ذاته، حين قررت اللجنة ان توصي بتطبيق التأمين الصحي في 1/1/2015، وهو تحديد زمني ليس من صلاحياتها وليس له أي مبرر منطقي!!.

يكفي ان اشير هنا لفقدان المنطق القانوني والعقلاني بل والفني في نص الفقرة (هـ)-1 من المادة (3) من قانون او مشروع قانون الضمان الذي اقرته اللجنة:

«لمجلس الوزراء بناء على تنسيب المجلس (مجلس ادارة الضمان) تطبيق التأمين الصحي للمستفيدين منه مشتركين ومنتفعين سواء من قبل المؤسسة (مؤسسة الضمان) منفردة او بالاتفاق مع المؤسسات والجهات المختصة ذات العلاقة ولهذه الغاية يُستحدث في المؤسسة صندوق خاص للتأمين الصحي؟!
- هذا النص – من عمر القانون المؤقت رقم (7) لسنة 2010 أي قبل ثلاثة اعوام.

- واضافت له اللجنة، على ان يبدأ تطبيق التأمين الصحي في 1/1/2015.

صياغة مشوهة!

إن قراءة النص تدل على صياغة قانونية مشوهة، فلا يوجد في القوانين (اما او) إما ان تطبقه مؤسسة الضمان منفردة أو بالاتفاق مع المؤسسات والجهات المختصة ذات العلاقة، ثم من هي المؤسسات والجهات المختصة! وهل جرى تعريفها ام ان ذلك متروك للمؤسسة، كيف يتحمل القانون تسميات دون تعريف ام تترك الامور على عواهنها!!.

ثم وهذا هو الاهم: مضت ثلاث سنوات على استحداث ذلك النص «اللامعقول» فهل اتضحت لدى مؤسسة الضمان انها ستقوم منفردة بالتطبيق، ام بالاتفاق مع المؤسسات المختصة وذات العلاقة وهل اتضح لدى المؤسسة من هي هذه المؤسسات المختصة وكم عددها وما هي نتائج اتصالاتها ومباحثاتها معها، والى اين وصلت، وهل اطلعت اللجنة البرلمانية على كل ذلك، بحيث منحتها الجرأة لتقرر بدء تطبيق التأمين الصحي على مليون مشترك واربعة ملايين منتفع في 1/1/2015، وهل استحدثت المؤسسة صندوقا لهذه الغاية.. ثم ماذا لو تتمكن المؤسسة من التطبيق في ذلك التاريخ، هل تجتمع اللجنة الموقرة لتقرر تعديل التاريخ المذكور بقانون جديد؟!

- مرة اخرى هل فكرت اللجنة الموقرة بمعنى واثار تحديد تواريخ في القوانين؟!

رابعا: تشكيل مجلس ادارة الضمان الاجتماعي ومواد اخرى

1- التشكيل:

- خلصت اللجنة الكريمة في نهاية احدى جلساتها الى توصية بتخفيض عدد اعضاء مجلس ادارة المؤسسة من (15) عضوا الى (13) وتضمن هذا التخفيض مشكلة حيث تقرر ان يكون للعمال ثلاثة اعضاء ولاصحاب العمل ثلاثة اعضاء، والمشكلة هنا كيف تتقاسم غرف الصناعة وغرف التجارة والاعضاء الثلاثة بينهما؟
لحسن الحظ تفهم رئيس اللجنة الذي احترم واعترف برحابة صدره وصبره وديمقراطيته ملاحظتي فقرر تعديل الرقم (13) «المشؤوم» إلى (15) وحل المشكلة باضافة عضو للعمال وآخر لاصحاب العمل.

- شطبت اللجنة عضوية ممثل السياسة المالية في المجلس وهو امين عام وزارة المالية رغم اهمية تمثيل هذه السياسة في مجلس الادارة المسؤول عن استثمار مليارات من موجودات الضمان.

- منحت النقابات المهنية عضوين في مجلس الادارة، رغم ان هذه النقابات تضم عاملين في القطاعين العام والخاص اللذين يتمثلان بواسطة العمال واصحاب العمل والحكومة.

- فاذا كان للجسم النقابي اهمية، وهي اهمية كبيرة بالفعل، فيكفي ممثل واحد، ولا داعي لتمثيل هذا الجسم بعضوين ونخترع لاحدهما صفة ممثل «عمال» وللآخر ممثل «لاصحاب العمل» فنقسم اصحاب العمل والعمال الى قسمين جديدين اضافيين لغرف الصناعة والتجارة والاتحاد العام للنقابات العمالية، كما فعلت اللجنة او بررت قرارها!!.

- وحين نوقشت الفقرة (د) من المادة (10) من قانون الضمان والتي تنص على تحديد مكافأة رئيس مجلس الادارة واعضائه بقرار من مجلس الوزراء بناء على تنسيب الوزير رئيس المجلس.

جاء الحرص على اموال الضمان باقتراح بتحديد هذه المكافأة بـ(250) دينارا، وكأن مجلس الوزراء ليس لديه احساس بالمسؤولية! ولذلك يجب تقييد صلاحياته ومثلها صلاحيات مجلس الادارة الذي «يمكن» ان «ينهب» اموال الضمان ويسمي هذا النهب تحت عنوان «مكافأة»!

وتناسى المقترحون «المتطهرون» ان مجلس ادارة الضمان صاحب صلاحيات استثمار مليارات الدنانير، حجمها اليوم ستة مليارات وغدا ستتضاعف مرات!

لا اريد الدفاع عن مجلس الادارة ولست ادعو الى منحه مكافأة بالآلاف علما ان بعض اعضاء المجلس يرفضون المكافآت اساسا، ولكن أليس من «......» ان نُصادر صلاحيات مجلس الوزراء من اجل وضع ارقام مالية في قانون! المسألة مسألة ذهنية!! وطريقة تفكير!

2- الغت اللجنة الكريمة منصب مدير عام المؤسسة واستبدلته بمدير تنفيذي. وهو قرار لست ادري مدى اهميته وابعاده.

3- الغت اللجنة او لنقل, شطبت مجلس التأمينات ومجلس الاستثمارات وبدلاً منهما أوصت بنائب للمدير التنفيذي للتأمينات وآخر للاستثمار, علماً ان الهيئة الاستثمارية عمرها عشر سنوات, ترى هل قيمت تجربتها ودرست؟!

4- لم تعالج اللجنة هيئة الاستثمار او ادارات هذه الهيئة أو صندوق الاستثمار الذي كان له رئيس يعينه مجلس الوزراء بتنسيب من مجلس ادارة الضمان ويضم تسعة اعضاء مع الرئيس.

5- فيما يختص بمجلس التأمينات الملغى وكذلك الحال بمجلس الاستثمار كانت «المشكلة» اذا حاز هذا الوصف في قرار تعيين رئيس واعضاء المجلسين وليس في صلاحياتهما. فالقرار كان مرهوناً بمجلس الوزراء الذي له صلاحية تعيين الرئيسين وغالبية الاعضاء.

وكان من رأيي, وحفاظاً على استقلالية المؤسسة, ان تمنح صلاحيات التعيين في المجلسين لمجلس ادارة الضمان باعتباره الادرى والاقرب وصاحب الصلاحية والاقل تأثيراً وتأثراً باعتبارات المصلحة نظراً لتوازن القرار بين ممثلي اطراف الانتاج الثلاثة.

على أن يستمر عمل المجلسين وليس الغاءهما.

7- لجنة المراقبة

- تضمن قانون الضمان رقم (30) لسنة 1978 وكذلك الحال قانون الضمان رقم (19) لسنة 2001 وقانون الضمان رقم (7) لسنة 2010 النص على:

أ- «لا يشكل المجلس (مجلس الادارة) من بين اعضائه لجنة تسمى (لجنة المراقبة) من ثلاثة اعضاء على أن يكون احدهم امين عام وزارة المالية.. الخ.

ب- وتتولى اللجنة المهام والصلاحيات التالية:

1- مراقبة اعمال ادارة المؤسسة المتعلقة بالشؤون المالية والاستثمارية وتدقيق التقارير المالية الخاصة بها بما في ذلك بياناتها المالية الختامية قبل عرضها على المجلس.
2- مراجعة تقارير الرقابة الداخلية في المؤسسة وابداء الرأي في انظمتها المالية والخطة الحسابية العامة والاصول المحاسبية العامة والاصول المحاسبية لها.
3- ممارسة الصلاحيات الاخرى المنوطة بها بموجب احكام هذا القانون والانظمة والتعليمات الصادرة بشأنه.

ج- لا يجوز ان يكون المدير العام ورئيس صندوق الاستثمار اعضاء في لجنة المراقبة.

- هذه اللجنة لجنة مراقبة داخلية من اعضاء مجلس ادارة الضمان يُشكلها مجلس ادارة الضمان بهدف مساعدته على اتخاذ القرارات المتعلقة بصلاحياته، ومنها الاشراف على المؤسسة ومراقبة ومتابعة اعمالها ونشاطاتها وخاصة الامور المالية وما تقبله من تقارير مالية واستثمارية ومحاسبية وحساب ختامي.. الخ.

- بكل بساطة جاءت اللجنة البرلمانية الموقرة بتوصية بحيث تُصبح هذه اللجنة لجنة مراقبة خارجية متناسية ان المؤسسة تخضع لراقبة ديوان المحاسبة ولديها دائرة تدقيق داخلية، بالاضافة لصلاحيات مجلس ادارتها الرقابية.. الخ.

- حددت اللجنة اعضاء لجنة المراقبة من خارج مجلس ادارة المؤسسة صاحب الصلاحيات المحددة بموجب القانون وسمّت امين عام وزارة المالية الذي كان اساسا عضوا في مجلس ادارة المؤسسة منذ تأسيسها وشطبت عضويته من المجلس وعينته رئيسا للجنة المراقبة ومعه رئيس مفوضي هيئة الاوراق المالية وعضو ثالث.
وابقت على صلاحيات اللجنة المشار اليها سابقا في النصوص القانونية، مما يربك اعمال اللجنة ويمنحها صلاحيات فوق صلاحيات مجلس الادارة ويشطب صلاحيات هذا المجلس، بحجة الرقابة على المؤسسة من الخارج؟

والسؤال هنا ماذا لو تعارضت صلاحياتها مع صلاحيات مجلس الادارة او مع صلاحيات ديوان المحاسبة وورقع تنازع القوانين او تنازع الصلاحيات في القانون الواحد؟

ثم كيف تقوم لجنة من خارج المجلس وطبعا هي خارج المؤسسة بالاطلاع على كل صغيرة وكبيرة، وقد يكون بعضها مما لا يجوز نشره او الاطلاع عليه من خارج المؤسسة بمجلس ادارتها والعاملين فيها او تتعارض مصالح افرادها مع مصالح المؤسسة.

- في اعتقادي ان فهم النص القانوني المراد تعديله بتحويل لجنة رقابية داخلية من المجلس والى المجلس لتسهيل مسير اعماله وتدقيق وتصويب التقارير المالية وغيرها، تحويل اللجنة الى لجنة رقابة خارجية ان فهم هذا النص على هذا الاساس فيه قصور قانوني يُخل بالنظم القانونية ويعبث بها ويخلق مشكلات للمؤسسة ولمجلس ادارتها وللجنة ذاتها حين تبدأ بالقيام باعمالها، فضلا عن سوء فهم للاجسام الرقابية الخارجية والداخلية والعلاقة بينها ولكن من خلال خلفية حسن النية وتزّيد الحرص.

خامسا - استراتيجية الضمان

- اما ما لم تلتفت اليه اللجنة الكريمة وهو يقع في البعد الاستراتيجي للضمان الاجتماعي ويتعلق بالفقرة (أ) من المادة (3) التي تحدد التأمينات الاجتماعية التي يشتمل عليها القانون، حيث غاب عن اللجنة تأمين المعونات العائلية وتأمين العجز المؤقت بسبب مرض العامل وتأمين البطالة بمفهومه الشامل، وهي تأمينات مهمة جدا لتوفير الحياة الكريمة للمواطن المشترك بالضمان، وادعو هنا لاعادة تسجيل هذه التأمينات المشطوبة في القانون رقم (7) لسنة 2010، لتكون جزءا من استراتيجية المؤسسة واهدافها وبرامجها المستقبلية.

الخاتمة

في ضوء ما سبق ادعو مجلس النواب الكريم الى اعادة القانون المؤقت رقم (7) لسنة 2010 الى اللجنة البرلمانية الموقرة لاعادة دراسة نصوصه بتأن ودقة وموضوعية على ان تستعين باصحاب الخبرة والمعرفة لتصويب توصياتها بهذا الخصوص، تحقيقا للغاية المرجوة، وهي اصدار قانون ضمان متكامل قابل لتحقيق اهدافه النبيلة في توفير الحياة الكريمة للمواطن وديمومتها لكل الاجيال.

 

 
<< البداية < السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالي > النهاية >>

الصفحة 1 من 11
Banner
الرسائل البريدية
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30 31